bool

التربية تعلن رفض فكرة الدخول الشامل للامتحانات الوزارية من قبل هيأة الرأي في الوزارة العبيدي: قدمنا طلباً الى مجلس الوزراء لصرف "عيدية مجزية" للنازحين واشنطن سترسل نحو1500 جندي إضافي إلى الشرق الأوسط في ظل تصاعد التوتر مع إيران التعليم العالي تعلن عن توفر منح دراسية مجانية في سنغافورة مفوضية الانتخابات تنفي وجود اتفاق لتأجيل انتخابات مجالس المحافظات القانونية النيابية تؤكد على أهمية تشريع قانون جرائم المعلوماتية ماذا يحصل لجسمك عندما تصبح نباتيا؟ تناول مكمل غذائي يسبب تغيرات في نبيت الأمعاء وبالتالي سرطان القولون اكتشاف علاج لمرض الزهايمر يعتمد على الصوت والضوء منظمة الصحة العالمية تكشف عن (12) عاملا خطيرا يتعلق بالإصابة بالخرف عند التقدم في العمر

الأقليات في العراق.. جرحُ في خاصرة وطن

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
الأقليات في العراق.. جرحُ في خاصرة وطن

تقرير سامي العبودي

   كان يسكن في منطقة ذات خليط  سكاني متنوع وتضم أناس كثيرين من قوميات وأطياف ومذاهب عرقية مختلفة كان له جيران وأصدقاء من الايزيديين والمسيحيين حتى فرقتهم يد الإرهاب الذي يقوده ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش).

   سقطت الموصل بيد التنظيمات الإرهابية، فهرب أهلها طلباً للامان في محافظات العراق الأخرى ومنها اربيل ودهوك  والمحافظات الوسطى والجنوبية, وهناك من هاجر إلى خارج العراق.

  يسترسل كلامه المليء بالألم والحرقة.. محمد حبيب 23 عاما من محافظة نينوى حي الرشيدية, يروي قصته ومعانات أهل مدينته التي عرف عنهم بالطيبة والتسامح وحب واحترام الآخرين.

   يقول محمد: هربنا من داعش بسيارة صغيرة عند الساعة الواحدة ليلا وكانت البداية أليمة وصعبة فكل خطوة من خطواتنا أثناء النزوح كانت تمثل خوف وحسرة وذهول ومصير مجهول لم نعرف إلى أين نحن ذاهبون.

غادر النوم جفوننا بسقوط قنابل الغدر الداعشي على أرجاء مدينتنا الجميلة ففارقنا وطن مليء بالذكريات تحت ظلام  ليلة لم تعرف الكلمات وصف أجوائها، واصلنا الليل بالنهار في طرق وعرة, مذعورين متجهين للمجهول لم تطأها أقدامنا قبل ذلك وكادت رحلة هجرتنا أن توصلنا إلى أرض الضياع لولا أن امتدت لنا يد الإنسانية في وسط العراق وجنوبه ففتحوا لنا قلوبهم قبل بيوتهم ووفروا لنا مستلزمات الحياة.

  وتابع محمد كلامه قائلا: سكنا في حي السلام ودخلت المعهد التقني في النجف وأكملت دراستي وحصلت بعد سنتين على شهادة الدبلوم، أيام دراسية كانت مثالاً يحتذى به للحب والتعايش السلمي ففي السنة الدراسية الأولى رسمت في مخيلتي صورة نمطية عن عادت وطباع المدينة التي نزحت إليها, ففكرت كيف سأتعايش معهم وخصوصا اني كنت لا اجيد التحدث باللغة العربية ولا كتابتها بسهولة،  كما ان لهجتنا تختلف كثيرا عن اللهجة النجفية وعندما علموا الزملاء بأني نازح وجدت ترحيبا حارا من الكثيرين وأحبوني كما أحبوا لهجتي" .

  لم يقتصر الأمر على إيجاد زملاء لي وترحيب الأساتذة بي وسرعة التأقلم والمعايشة مع أبناء المدينة التي خففت ثقل النزوح عن كاهلي، بل كانت المفاجئة أني حصلت على شريكة حياتي التي جمعتنا مقاعد الدراسة، فخطبتها وتزوجنا فهي من مدينة الكوفة وأنا من سهل نينوى، ومضى على زواجنا سنة وقد رزقنا الله بطفل سميته الحسن، وتغلبنا على الفوارق القومية والمناطقية وطبقنا القول الشائع (بنت الشرق لابن الغرب) ولم يقف إختلاف العادات والتقاليد حاجزا بيننا ولم يعيقنا إختلاف اللغة، فقد تعلمت زوجتي اللهجة التركمانية فهي تتحدث بها يوميا.

  ويقول جمعه عبد الإله، احد النازحين من الموصل: خرجت مع عائلتي المكونة من ثمانية أفراد وكنت اسكن في قرية القبة التي تحتضن أكثر من عشرين ألف من التركمان، كلهم هربوا إلى اربيل ومن ثم إلى النجف، وهنا في النجف وجدت الامان والمحبة، اذ لم يقصر احد معنا وقد شاهدت بعيني ان إحدى العوائل النجفية أخلت منزلها لغرض اسكان عائلة من أقربائنا من سهل نينوى وهذا هو قمة السلام والإخاء بين العراقيين، وسكنت في إحدى الحسينيات على طريق يا حسين تعود لإحدى عوائل البو عامر، كما ان العمل هنا متوفر فانا كنت اعمل  فلاحا في الموصل ولكني عندما جئت إلى النجف عملت في صيد الاسماك.

 

  وحدثنا أبو علي صاحب أسواق في  مدينة تلعفر قائلا: كنت اسكن في حي الكفاح الشمالي، انا وعائلتي المتكونة من ثمانية أفراد، نزحنا لمدينة النجف عندما سقطت الموصل وخرج التركمان هربا من الدواعش بعد استهدافنا بالقتل مع الأقليات الأخرى في سهل نينوى، فهربنا في بداية النزوح إلى اربيل ثم جئنا الى النجف ، وسكنت في بيت إيجار. 

  وتابع: عندما أتيت الى النجف لم يكن لدي عمل, لأني فقدت كل شيء في مدينتي بعد ان سرق الدواعش الأسواق، وحينما أتيت إلى النجف بدأت بالعمل والفضل يعود في نجاحي هنا لأهل النجف الذين ساعدوني كثيرا وتعاونوا معي بافتتاح مشروعي في تجارة المواد الغذائية في أسواق الجملة في حي القدس جنوب النجف ، قد تعاون معي الناس ولم يشعروني بالغربة بينهم لذلك استقريت هنا ولم افكر في العودة الى مدينتي في تلعفر.

  وقال محمد خالد من سهل نينوى من قرية (تيس خراب) التابعة لناحية بعشيقة، وهو مختص بصناعة كبة الموصل الشهيرة: عملت في مطعم نينوى والذي يقدم أكلات موصلية شهيرة, مثل لحم بعجين وكبة الموصل وكنت في السابق أتحدث التركمانية فقط, وكنت أعاني من صعوبة التحدث مع الزبائن، كما أنهم لا يفهمون من كلامي شيء، ولكني الآن أتحدث العربية مع الزبائن بشكل جيد.


 

  المنظمات الدولية مثل منظمة الأمم والشعوب غير الممثلة ذكرت أن المجتمع التركماني العراقي يمثل 3 ملايين نسمة ويمثلون نسبة 13٪ من سكان العراق وهم ثالث أكبر جماعة عرقية في العراق وفقا لتعداد عام 1957.

   ويسكن التركمان في محافظات كركوك و نينوى واربيل وديالى وتتركز كثافتهم السكانية في مدن كركوك وتلعفر وآمرلي وطوزخورماتو وكفري و التون كوبري وداقوق ويتمسك تركمان العراق بوحدة العراق وعدم التمايز او أفضلية أي مكون عراقي على.

  دائرة الهجرة والمهجرين أوضحت ان النجف استقبلت 14446 عائلة نازحة, يشكلون نحو (86,676) نازحا من جميع محافظات العراق وذلك لان النجف من المحافظات الجاذبة للنزوح لاستقرارها الامني وموقعها الديني، وكانت حصة تلعفر من النزوح 6709 عائلة  كانوا يسكنون بين محافظتي النجف وكربلاء" .

  وبعد استقرار الحالة الأمنية في مدنهم وتحريرها من العصابات الإرهابية، عادل إلى مدنهم ما يقارب 4208 عائلة والمتبقي في النجف منهم 2501 عائلة عدد الذكور بلغ 5700 وعدد الإناث 1009 وهؤلاء اندمجوا في المدينة لان ثقافتهم وعملهم ساعد على البقاء فمنهم الطبيب والمعلم والمهندس وأصحاب المهن  التي استفادت منها النجف.

  مدير قسم العلاقات والإعلام في شرطة النجف، المقدم الحقوقي مقداد الموسوي، قال: ان" النازحين التركمان سكنوا مدينة النجف بعد ان اجتاحت عصابات داعش مدنهم ولم تسجل في مراكز الشرطة شكاوى ضدهم من قبل المواطنين، ولم يشكلوا اي خطر على امن المحافظة على الرغم من أعدادهم الكبيرة التي تعد بالآلاف، فهم عراقيون مسالمون يؤمنون بالسلم المجتمعي فأبناء المحافظة قدموا لهم كل المساعدات الممكنة وهذا دليل على ان النجف تحتضن الجميع وهي مدينة للتعايش السلمي المجتمعي.

 

  المؤرخ النجفي ورئيس جامعة الكوفة الأسبق الأستاذ الدكتور، حسن الحكيم، قال: ان التركمان قومية تعيش في العراق وهي من مذاهب متعددة، مبيناً، ان" بعض الأسر النجفية القديمة تعود أصولها الى تركية لان النجف تستقطب القوميات ففيها عوائل أصولها من جنسيات مختلفة كاللبناني والتركي والسوري والهندي والفارسي والافغاني والباكستاني استقروا ولم يعودوا الى بلادهم ، فالتركمان عددهم كبير الآن وهم من القوميات التي استقرت وتفاعلت في النجف أكثر من باقي المدن العراقية بعد اجتياح داعش الإرهابي لمدنهم ، لأنهم وجدوا الحماية في النجف واحتضنتهم ولم تعارضهم هم والنازحين من الجنوب ومن الشمال مما شجعهم على البقاء.

  وأضاف ان انفتاح المجتمع النجفي وتعايشه مع مختلف القوميات وتعامله مع الآلاف من التركمان النازحين واحتوائهم واحتضانهم ومنحهم الأمان وفرص العمل والدراسة  كان سببا رئيسا لاستقرارهم، مشيرا الى، انه، يوجد في النجف بعض الأسر التركية التي تصاهرت مع العشائر النجفية ولا يوجد أي ظاهرة ضد اي قومية او مناطقية  والتي تدل على الجهل والتخلف والنظرة الضيقة، مؤكدا ان النجف تضم مدن أثرية قديمة نسميها بالمثلث الحضاري بين المناذرة والكوفة والنجف وذلك يعود الى وجود تواصل اجتماعي واقتصادي وعلمي بين مكونات الشعب منذ القدم.

  أما الباحث الاجتماعي الدكتور هشام السياب فتحدث قائلا: اكتسبت النجف روح التعايش السلمي الاجتماعي من هويتها الإنسانية التي مثلها فكر الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام بمقولته: (( الناس صنفان إما أخا لك في الدين او نظير لك في الخلق)) ففي مراحل تاريخ النجف شواهد معمارية لحد الان تدل على التعايش  الحضاري، اذ يوجد جامع للهنود وتكية للباكستانيين وحسينية للششترلية الايرانيين وغيرها، وبالتالي فان التعاطف والتعايش مع التركمان خلال أزمتهم الأخيرة ونزوحهم تكريس لهوية مجتمع النجف الذي يمتلك عمق إنساني بالتعايش بعيدا عن التعصب المغلق في بعض المجتمعات الشرق اوسطية ، لذلك تؤمن النجف باندماج الأعراق والقوميات ولا تنغلق على لون او قومية واحدة فالتركماني والنجفي كهوية مجتمعية كلاهما يلتقيان بالإرث الحضاري ذو الطابع المدني من شركاء الوطن مما جعل التركمان اقرب وجدانيا لطبيعة النجف كمجتمع بسبب التقاء مشتركات فكرية ومعاناة حياتية  فالتركمانيين محبوبين في المجتمع لأنهم بعيدين عن العقد التاريخية التي يتمسك بها البعض.

  تمثل حالة النزوح الجماعي من المناطق التي احتلتها تنظيمات الدولة الاسلامية في العراق والشام صورة ناصعة من صور التعايش السلمي والاندماج المجتمعي وتؤكد على ان العراقيين هم جسد واحد وقلب ينبض بالحب والعطاء رغم كل المحن التي عصفت به ومهما زادت المحن على اهله فهم يبقون نسيجاً واحداً بالوان زاهية تمثل كل مكوناته واطيافه.

 

 

المزيد من تقارير وتحقيقات

Add to your del.icio.us Digg this story StumbleUpon Twitter Twitter Post on Facebook :شارك على

كلماته الدلالية:

لا توجد كلمات دلالية لهذا المقال
  • إرسل إلى صديق إرسل إلى صديق
  • نسخة صالحة للطباعة نسخة صالحة للطباعة
  • نسخة نصية نسخة نصية

إكتب تعليق

  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة:

Captcha