الحوزة العلمية ودورها في تقريب وحوار الاديان

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font

ابتهال ابو صيبع

لا يخفى على كل ذي لب ما للدين من اثر روحي ونفسي عند الإنسان فمنذ بدأ الخليقة توالت الأنبياء والرسل لتبليغ البشر بتعاليم السماء والارتقاء به إلى مراتب الكمال,وبالرغم من تعدد الديانات وتنوعها إلا إنها متشابهة في مضامينها الأساسية,كونها تصدر من مصدر واحد(هو الله خالق كل شيء من عدم),وان كل الديانات التي جاءت بها الرسل والمبلغون من قبل الخالق نصت على التعايش السلمي واحترام حق الآخر في العيش بكرامة,وان الشرائع السماوية كلها جاءت من اجل تنظيم علاقة الإنسان مع خالقه من جهة,وتنظيم علاقة الإنسان بالمحيط الذي ينتمي إليه من جهة أخرى,لكن المؤسف إن اغلب هذه الديانات مرت بادوار مختلفة سببت انحرافات عن الهدف الرئيس لها,سببت ظهور اتجاهات متطرفة همها الوحيد هو تكفير الآخر وانتهاك حرمات الإنسان واستباحة المقدسات تحت ذريعة الدين,كما ان الدين الإسلامي مر بهذه الانعطافة الخطيرة والتي ولدت جماعات متطرفة اتخذت من العمليات الإرهابية منهجا لها وتحاول ان تثبت أفكارها ومعتقداتها بقوة السلاح والعنف وتحاول ان تتحكم بعقول الشباب بحيث ان أكثرهم وقعوا فريسة للتيارات الإرهابية وتظليلاتها,ولا يخفى على كل ذي لب ما للحوزة العلمية الشريفة من دور كبير في مواجهة هذه الحركات المتطرفة والعمل على التقريب بين المذاهب والأديان من خلال اللقاءات والمؤتمرات التي تنعقد بين فترة وأخرى والتي تهدف إلى التقريب بين المذاهب والديانات السماوية الأخرى,ومن أجل العمل على نشر الأمن والسلم في العالم والبحث عن ألأساليب والطرق المناسبة لنبذ العنف والتطرف الديني،وخلق جوِّ يسوده الانفتاح والتبادل في الرأي والعمل على فكرة تقبل الآخر والعيش المشترك في إطار عالم تعدُّدي  من خلال تمكين المرء ان يطلع على ما عند الآخرين من علم، يمنحه فرصة التعرف عليهم وأخذ المفيد منهم و تتيح فرصة  له للمقارنة بين ما لديه وما لدى الآخرين،وكما أنّ الاطّلاع على معارف الآخرين يجعل المرء أقدر على الحوار والتعاطي معهم،لعلمه بآرائهم وخلفيتهم الفكرية،ومن هنا تأتي أهمية الانفتاح العلمي والمعرفي في كل العلوم سواءً الدينية أو الإنسانية.

وفي هذا السّياق يمكن أن نفهم قول الإمام عليّ(عليه السلام): "أعلم الناس من جمع علم الناس إلى علمه" بما يساهم بنشر ثقافة التسامح والوحدة من اجل الوقوف بوجه الأفكار المنحرفة والشاذة عن الدين ،وهذه الوسيلة الأمثل لنشر قيم المحبة والوئام في المجتمعات وهذا ما عملت عليه الحوزة العلمية في النجف الاشرف واستطاعت من خلاله ان تحقق وحدة المجتمع باختلاف طوائفه ومشاربه وتخفف من حدة الخطاب الطائفي والصراع بين المذاهب والأديان.

ومن ضمن النشاطات التي دأب على أقامتها مركز الدراسات التخصصية بين الحوزة والجامعة,إقامة المؤتمر السنوي العالمي بين الحوزة والجامعة ومشاركة وفود من مختلف الدول العربية والإسلامية ومن مختلف المذاهب والطوائف من اجل توحيد الخطاب الديني والإسلامي والعمل على تقريب وجهات النظر وتجذير مفهوم التعايش السلمي وإشاعة فكرة (الخالق واحد والدين واحد) فكان لصحيفة الحوزة والجامعة دوراً كبيراً من خلال إجراءها استطلاعاً لآراء الوفود المشاركة في المؤتمر العلمي العالمي السادس بين الحوزة والجامعة,والذي أكد من خلاله المشاركين في المؤتمر على ضرورة توحيد الخطاب الديني ونبذ التطرف والإرهاب. 

وابتدأ الشيخ أكرم بركات من لبنان كلامه في تصريح خاص لصحيفة الحوزة والجامعة:"ان الحوزة العلمية الشريفة تتبع منهج أهل البيت(عليهم السلام) في مدرستها الأصولية,والتي تؤمن بمرجعية العقل والتعامل مع الآخر على ظاهر إسلامه,على قاعدة  أئمتنا(عليهم السلام) بان الإسلام ما ظهر باللسان وعليه اجتمعت الفرق التي كلها ترجع الى الهوية الاسلامية بمثابة المظلة الاسلامية مما يدل ان هناك مظلة للامة ينبغي ان تواكب في مسارها التعددية للمذاهب،وكما ننظر إلى الآخرين على اساس انهم  مسلمون حتى لو اتخذ البعض منم موقفاً مغايراً,ولعل البعض منهم اقدم على تكفيرنا,واما نحن فلا نكفر المسلم بمجرد انه يكفرنا بل ننفتح عليه وعلى كل الأديان",وان المسؤولية الملقاة على عاتقنا اليوم كبيرة والتي تتمثل بالوقوف وقفة رجل واحد بوجه الإرهاب الذي يعتدي على جميع المسلمين بغض النظر عن انتمائهم المذهبية.

من جهته أكد نائب رئيس ديوان الوقف السني قتيبه عماش للحوزة والجامعة: ان "الحوزات العلمية في النجف الاشرف وعلى مختلف انتماءاتها ومدارسها المذهبية  لها الثقل الاكبر في العالم وخاصة في هذه الظروف التي يمر بها البلد من احتواء المذاهب والحوار معها والعمل على وحدة العراق ولم الشمل والوقوف بوجه الافكار الدخيلة على المجتمع العراقي وإيجاد العلاجات الكفيلة لها .

فيما أشار الكاتب والمؤلف السيد عبد الكريم الجزائري: ان"الحوزة العلمية هي مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) وكان لها دوراً كبيراً في الدعوة إلى الوحدة ولم شمل الأمة وعدم تفرقها ولهذا نلاحظ مولاتنا الزهراء(عليها السلام) أكدت من خلال خطبتها في مسجد ابيها تبين فلسفة الفرائض (طاعتنا نظاماً للملة و إمامتنا أمانا من الفرقة) هذه هي وحدة الأمة وعندما نستسقي العلوم من منبعها السليم وهم اهل البيت(عليهم السلام),وان نختزن هذا العلم في الجانب الشيعي (الحوزة العلمية) إنما تدعو إلى التوحيد والتقريب والوصول إلى آراء الآخرين,ونجد على مر التاريخ انه كان للحوزة الشيعية مبادرات كثيرة وبالخصوص في مسالة التقريب بين الأديان،حيث إنها دأبت على جذب الآخر والتواصل معه حتى تخفف من ردة الفعل الموجودة,وبالخصوص وقوفها من الأفكار التكفيرية الإرهابية لداعش من خلال بث الافكار المنحرفة في المجتمع بسبب الخلفيات العقائدية الفاسدة والتي اقامت عليها بعض المدارس المتشددة والتي تشحنهم وتملا رؤوسهم بها وهي عقائد جاءت من المدرسة الأموية،ومن الأمور المهمة جدا إذا أردنا اعادة لحمة وحدة المسلمين فلابد أن نتطرق إلى الأفكار التي دخلت على الإسلام بدون رؤية سليمة عن طريق السياسة والذين حاربوا الاسلام وعملوا على تخريب الإسلام لمصالحهم ,فإننا نجد اليوم ان الحوزة تتحمل هذه المسؤولية وتسعى جاهدة لتذليل الصعاب لإعادة المحبة والوئام بين جميع الأديان والمذاهب.

من جهته أوضح الشيخ جمال كنعان من لبنان :ان"التحدث عن  الوحدة ليس امرا خاصا نعتقد به نحن من دون الرجوع الى كتاب الله عز وجل وان القران يصدح بآيات كريمة حول الوحدة كقوله تعالى(واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا)وهذا أيضا كلام النبي(صلى الله عليه واله وسلم) حينما يصف الأمة والمؤمنون بالبنيان المرصوص وكما وصف المجتمع بالجسد الواحد وان سيرة النبي وأهل البيت (عليهم السلام) كلها تنبئ بمدى الدفع باتجاه الوحدة بين المسلمين بكل اطيافه وليس فقط بالمسلمين فحسب بل الى المجتمع الانساني برمته ونستدل من خلال قول الإمام علي(عليه السلام),( الخلق كلهم عيال الله،فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله) ومن هنا كان التصدي من الحوزة العلمية من جهة وأساتذة الجامعات من جهة اجرى من اجل ان يستوعبوا كل افراد المجتمع وبكل تفاصيله من اجل الوصول الى الوحدة المحمدية والعلوية التي احتضنت جميع الاديان.

فيما أكدت الدكتورة زينب هادي حسن معاون عميد كلية التربية الأساسية في الجامعة المستنصرية: ان الحوزة لها دوراً كبيراً من خلال الانفتاح على الأديان الأخرى,مؤكدة ان هنالك صلة بين الجامعة والحوزة في توعية المجتمع علما ان الجامعة لهاد دور قيادي وريادي في توعية الفئة المهمة وهي الشباب لأنها تتعامل بالدرجة الاولى مع اعمار حرجة من خلال ورش العمل التي تقيمها للطلبة ومن مختلف الطوائف والأديان من اجل ترسيخ هذا مفاهيم الوحدة والتعايش السلمي،ونحن كمجتمع نعيش صراع داخلي سواء على البعد السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادية",مبينة ان التوعية والتقريب والحوار محور أساس في بناء المجتمع.

الدكتور عبد الرحمن جواد من كلية التربية - الجامعة العراقية أوضح قائلا:إننا نفتخر ونعتز بدعم الانشطة الثقافية ومد التعاون من قبل الحوزة العلمية مع كافة الجامعات لأجل الوصول الى الهدف الاسمى والمشتركات والقواسم بين المسلمين والوصول الى بر الامان ونبذ اعداء الاسلام .

وأوضح الشيخ الدكتور علي خضر العكيلي من جامعة واسط: ان الوعي الثقافي والديني لرجل الدين ان يتحمل الفكر المقابل صواباً كان أم خطأ,ويجب أن تلتقي الأهداف فيما بيننا و يجب ان نحتمل الفكر الاخر ولا نتعداه,وحينما يكون الفكرعقائدياً مغايراً فيجب ان لايواجه بالعنف,وإنما يجب أن يواجه بتيار ثقافي وفكري صحيح من قبل رجل الدين وان يتحمل الوسطية الفكرية لكلا الجانبان حتى يتوصل الى امر ثقافي واعي يجعل من المجتمع متماسكاً وإيجاد فكراً متواصلاً فيما بينهم.

ونلاحظ ان الحوزة العلمية في النجف الاشرف أصبحت تشكلُ المظلة الروحيَة لكافة الحوزات الإسلامية في العالم  وان ما يميزها  هو ارثُها الحضاري والفكري والثقافي وأتبّاع الأسس التي وضعها أمير المؤمنينَ (عليه السلام) الذي بدوره يجسد روح الرسالة السماوية ونهجَ النبي الأكرم (ص) من خلال نظرته الايجابية للجميعِ بعيداً عن انتماءاتهم وصنوفهم، وان خير مصداق على ذلكَ رسالته وعهده إلى والي مصرَ مالك الاشتر، حين يطلب منه العمل على إنصاف كل الرعية من دون النظر لدياناتهم واتجاهاتهم فيصنفهم صنفانُ (إما أخ لك في الدين أو نظير لكَ في الخلق) وهذا هو الإسلام الصحيح النابع من عين صافية، وهذه هي روح الإسلام المحمدي.

 

 ونجد اليوم ان الحوزة العلمية منفتحة على الآخرين والدليل على ذلك ان زعيم الحوزة العلمية الامام السيد علي السيستاني (دام ظله الوارف) عندما تعرض لأهل السنة قال انفسنا من اجل ان يبين موقع هؤلاء كمسلمين في انفسهم و أنفس الشيعة وبالتالي فان هذا الوصف سيترك أثرا عند المقابل وعندما تسمع الاخر كلمة المحبة تجذبه وتعرفه بمكانه،وان الحوار والتقريب لابد ان يكون في جميع الاوقات وليس في الازمات او الحروب كونهما يتواصلان بين جميع الاديان لان الخير وسعادة البلدان والشعوب في الحوار وليس في التطرف والتعصب وغلق باب الانفتاح على الآخر.