محمد باقر الصدر والدعوة الى التجديد في المناهج الحوزوية - عرض وتحليل

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
محمد باقر الصدر والدعوة الى التجديد في المناهج الحوزوية - عرض وتحليل

سامي العبودي

 

الحوزة العلمية تلك المؤسسة العريقة التي اتسمت بالمنهجية العلمية في البحث والاستدلال واستنباط الأحكام الشرعية من خلال استنطاق النص وفهمه,فهي تعد إحدى أهم المراكز العلمية، التي تعمل على بناء الإنسان والارتقاء به إلى مراتب الكمال,فالحوزة العلمية،منذ تأسيسها جعلت من الانسان هدفا رئيسا,في بناء مجتمع متكامل تحفظ فية الكرامة وينظم علاقة الأفراد فيما بينهم وعلاقتهم بخالقهم.  

ومنذ عصر الغيبة وانقطاع السفارة وغياب عصر النص,أصبحت الحاجة إلى التدوين في الفقه,والحديث,السيرة,الفلسفة،العرفان، الأصول,التفسير, وغيرها ضرورة ملحة مما دعا علماءنا الأبرار إلى الكتابة والتأليف,فبالرغم من وجود تراث شيعي ثر وعظيم والذي اتسم بالدقة والرصانة العلمية إلا انه لا يتعدى محاكاة سوى عقول أصحاب الاختصاص من الطبقات العليا,ناهيك عن كون المؤلفات الشيعية قبل زمن شيخ الطائفة (نصير الدين الطوسي قدس سره) تختزل بين طياتها الفقه والأصول مجتمعان معاً,وهذا الأمر يتطلب جهدا كبيرا من علماء الحوزة والطلبة باستخراج القواعد الأصولية وفصلها عن القواعد الفقهية,فإذا كان الحال هكذا فكيف بالنسبة للعوام.

يقول السيد الشهيد الصدر في كتابه"المعالم الجديدة للأصول": "ما مضى المجدد محمد بن الحسن الطوسي "قدس سره" حتّى قفز بالبحوث الأصولية وبحوث التطبيق الفقهي قفزة كبيرة وخلّف تراثاً ضخماً في الأصول يتمثل في كتاب العدة وتراثاً ضخماً في التطبيق الفقهي يتمثل في كتاب المبسوط,ولكن هذا التراث الضّخم توقف عن النمو بعد وفاة الشّيخ المجدد طيلة قرن كامل في المجالين الأصولي والفقهي على حدٍ سواء).

تبسيط المصطلحات والمفاهيم الحوزوية وشرحها يمكن طلبة الحوزة من فهم المادة العلمية ورفع الالتباس

ويعتبر السيد الشهيد محمد باقر الصدر قدس سره" من أهم الدعاة إلى التجديد للمناهج الدراسية في الحوزة العلمية الشريفة وتبسيط المصطلحات والمفاهيم الحوزوية وشرحها وتبويب الكتب الدراسية حسب مراحلها الأساسية بما يمكن طلبة الحوزة من فهم المادة العلمية بصورة تدريجية ورفع الالتباس والغموض في بعض أبواب الكتب الدراسية الأربعة المعتمدة في التدريس وتجنب الانغلاق في عرض المطالب وعدم التبويب وتعدد المطالب الاستطرادية وعدم مراعاة التنسيق بين المطالب التي تستنزف جهد الطالب في فهم المطلب وحل الإشكالات.  

ولذا كان السيد الشهيد محمد باقر الصدر"قدس سره" صاحب مدرسة ومنهجية جديدة اعتمدت على مراعاة أمور عدة أهمها: ترتيب المادة العلمية في الكتاب الدراسي بالشكل الذي يساعد الدارس على فهم المادة فهماً لا عسر فيه,وتبسيط وتوضيح العبارة وبأسلوب مشوق يساعد على فهم المطلب فهماً سهلاً.

يقول السيد الشهيد محمد باقر الصدر في مقدمة كتابه دروس في علم الأصول: "وقد كنا منذ زمن نجد أكثر من سبب يدعو إلى التفكير في استبدال هذه الكتب باخرى في مجال التدريس، لها مناهج الكتب الدراسية وأساليبها في التعبير وشرائطها".

الكتب الأصولية الأربعة أدت دوراً جليلاً في هذا المضمار وتخرج من حلقاتها الدراسية الآلاف من الطلبة خلال نصف قرن

ويبين السيد الشهيد في مقدمة الحلقة الأولى من كتاب دروس في علم الأصول رأيه في الكتب الأصولية الأربعة وهي ( الكافي ) للكليني و ( من لا يحضره الفقيه ) للصدوق و ( التهذيب ) و ( الاستبصار ) للطوسي:"وقد أدت هذه الكتب الأربعة مشكورة دوراً جليلاً في هذا المضمار، وتخرج من حلقاتها الدراسية خلال نصف قرن الآلاف من الطلبة الذين وجدوا فيها سلمهم إلى أبحاث الخارج، ولا يسعنا في هذا المجال إلا أن نستشعر بعمق بما لأصحاب هذه الكتب الأبرار (قدس الله أسرارهم الزكية) من فضل عظيم على الحوزة ومسيرتها العلمية".

النص مقدس لكن فهم النص غير مقدس وهذا ما يميز الحوزة العلمية عن غيرها باستمرار عملية الاجتهاد

ان التجديد الذي دعا إليه السيد الشهيد"قدس سره" ينطلق من الثوابت الاعتقادية التي لا يطالها التغيير كون النص مقدس،إلا ان فهم النص غير مقدس وهذا ما يميز الحوزة العلمية عن غيرها باستمرار عملية الاجتهاد عبر استنطاق النص الشرعي واستخراج الأحكام الفقهية التي تتلائم مع المتغيرات الحياتية مع الحفاظ على الموروث العلمي،وأصالته وعمق أبحاثه, ان التجديد الذي دعا إليه السيد الشهيد هو التجديد في المناهج والآليات المتبعة في الدراسة والكتب التي تدرس في المدارس الدينية.

يقول السيد الشهيد محمد باقر الحكيم"قدس سره"،وهو أحد تلامذة الشهيد الصدر: إن الشهيد الصدر بتحقيقه في الفقه والأصول، وهما الدرس المعتمد والرئيس في الحوزة العلمية، استطاع إحداث تغيير جذريّ في هذا الدرس, فإنّه في تحقيقه في الأصول استنبط أكثر من 60 قانوناً جديداً"

الاسباب التي ادت بالسيد الشهيد لاحداث التغيير في المناهج الدراسية الاصولية  

وفي مقدّمة الحلقة الأولى من كتاب دروس في علم الأصول ذكر السيد الشهيد الصدر أربعة أسباب لهذا التغيير الذي أحدثه في المناهج الدراسية الاصولية، منها,"عدم وجود التناسب والتنسيق بين الكتب الأربعة الرائجة في الأصول وهي(معالم الأصول، قوانين الأصول، فرائد الأصول، وكفاية الأصول),والسبب الثاني,إنّ مؤلِّفي هذه الكتب لم يكن غرضهم من تأليفها أن تكون كتباً دراسية، ولهذا كانت تحذف فيها بعض الحلقات وهذا كان سبباً في غموضها لدى الطالب,اما السبب الثالث,عدم مناسبتها للطلبة,لأنها جعلت للعلماء ومن هم في سطحٍ مكتمل علمياً، وليس للمبتدئين والسائرين,والسبب الرابع والأخير هو عدم وجود هيكلة منسجمة في طرح الموضوعات".

يعتبر السيد الشهيد محمد باقر الصدر"قدس سره"واحدا من أهم علماء الامامية من الذين برعوا في مجال العلوم الدينية المختلفة,والذي استطاع ان يرفد مجال النظام التعليمي والدرس الحوزوي,من خلال نبوغه وإبداعه في مجال الفقه والأصول وهما ركنان أساسيان في الدرس الحوزوي,ناهيك عن المجالات الأخرى التي دون  فيها السيد الشهيد الصدر والتي لا تزال تحضا بمكانة خاصّة ومقام محترم في أوساط الحوزة العلمية الشريفة.