معالم منهج اللاهوت النظامي الإنجيلي في كتاب نظام التعليم في علم اللاهوت القويم

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
معالم منهج اللاهوت النظامي الإنجيلي في كتاب نظام التعليم في علم اللاهوت القويم

حيدر حبّ الله

تنوّعت الكتابات المسيحيّة التي حاولت شرح العقائد المسيحيّة العامّة وكذلك القراءة الخاصّة لهذه العقائد وفقاً لتصوّرات هذا المذهب المسيحيّ أو ذاك، وقد تنوّعت أيضاً أساليب التصنيف في شرح وتثبيت هذه العقائد أو التصوّرات الدينيّة العامّة.

ومن بين هذه المساهمات، نستطيع ـ بكلّ وضوح ـ أن نلمس المصنّفات التي كتبتها الطائفة الإنجيليّة في هذا الصدد،عارضةً رؤيتها للاهوت المسيحي المتمايز عن هذا الفريق في المسيحية أو ذاك.

ولعلّه يمكن القول بأنّ من أشهر الكتب وأهمّها في هذا الصدد هو كتاب (نظام التعليم في علم اللاهوت القويم) أو (علم اللاهوت النظامي)،للقس جيمس أنِس (James Anas)،فقد سعى المؤلّف لتقديم رؤية ممنهجة وسهلة وتعليميّة لمكوّنات اللاهوت المسيحي الإنجيلي.

البُنية العامّة للكتاب وميزاته

يفتتح القس جيمس أنِس كتابه بفاتحة يصرّح فيها بأنّه صنّف هذا الكتاب لمدرسة اللاهوت الإنجيليّة للمرسلين الأميركيين في مدينة بيروت،معوّلاً فيه على النقل من أشهر المؤلّفات القديمة والحديثة،خاصةً كتاب الدكتور القس (كارلوس) تشارلز هودج، أستاذ اللاهوت في مدينة برنستون الأمريكيّة.

إنّه كتاب يهدف لتقديم عصارة مركّزة للفكر الإنجيلي (الإصلاحي) خاصّة، والمسيحي عامّة في تلك الفترة، حيث دوّن الكتاب ـ كما يقول القس عبد النور في مقدّمة ترجمته له ـ في سبعينيّات القرن التاسع عشر،في فترة حسّاسة جداً من تاريخ الفكر الأوروبي والغربي عموماً.

يقسّم القس جيمس أنِس كتابه إلى أربعة أجزاء تسبقها مقدّمة،حيث يستعرض في المقدّمة ـ التي يمكن تصنيفها بالغة الأهميّة على صعيد سؤال المنهج ـ مطالعةً عامّة في علم اللاهوت النظامي والآراء حوله،فيما يخصّص الجزء الأوّل للثيولوجيا أو معرفة الله،والجزء الثاني للأنثروبولوجيا أو الكلام في الإنسان،والثالث في السوتيريولوجيا أو الكلام في الخلاص،فيما يجعل الجزء الرابع في الاسخاتولوجيا أو الكلام في الآخرة.

إنّ ترتيب الكتاب يبدو منطقيّاً جداً؛ إذ ينطلق من الله ليمرّ بالإنسان،منتهياً إلى النهاية والآخرة، فحركته من المبدأ إلى المعاد،مروراً بالإنسان والدنيا وقضاياهما.

ويمتاز الكتاب بعدّة ميزات في تصنيفه، من أبرزها:

1 ـ بساطة لغته نسبيّاً، وقد ذكر المترجِم أنّه حاول جعل لغة الكتاب معاصرةً، مما يدلّ على أنّ لغة الكتاب ـ الأصل تحاكي المرحلة السابقة.

2 ـ الكتاب منظّم تنظيماً رائعاً، يصلح لمتن دراسي في مراحل الدراسات العليا، وهو مرجع تعليمي مهمّ في معرفة العقيدة المسيحيّة عموماً، والإنجيليّة بشكل خاصّ.

3 ـ لَفَتَ نظري في الكتاب أنّه استخدم ـ وبشكلٍ مرتّب وممنهج ـ أسلوب السؤال والجواب، ليوصل القارئ لكلّ القضايا عبر هذا الأسلوب، دون أن يُشعرك بالتشتّت.

4 ـ رغم مرجعيّة الوحي الحاسمة من وجهة النظر الإنجيليّة، إلا أنّ الكتاب مليء بالتنوّع في مقاربة الموضوعات، ففي كثير جداً من مواضعه إحالات على الكتاب المقدّس، وفي كثير آخر من مواضعه إحالات على الأدلّة العقليّة والمقاربة الفلسفيّة والمنطقيّة، غير أنّه نادراً ما يوثق المعلومات التي يأتي بها من خارج الكتاب المقدّس.

 

وفي هذا السياق، وجدنا المؤلّف يصحّح فكرةً أو يُبطلها على أساس موافقتها للكتاب أو معارضتها لمعطياته، فيجعل نصّ الكتاب المقدّس حَكَماً، فمثلاً ـ وهذا مجرّد مثال من عشرات الأمثلة ـ عندما يتحدّث عن موضوع الفداء والكفارة،ويستعرض في حديثه الرسم الأغسطيني بشأن قضاء الله تعالى المعروف بعام الكفارة،يرى أنّ من أدلّة صحّة هذا الرسم هو موافقته لكلّ تعاليم الكتاب مستعرضاً إيّاها في هذا الصدد, وهكذا عندما يتكلّم عن أنّه هل يجوز جعل غير المسيح وسيطاً بيننا وبين الله،فهو يرفض هذه الفكرة بشدّة لأنّ ذلك ـ حسب تعبيره ـمخالف تمام المخالفة للكتاب المقدّس.

فكلّ شيء يُعرض على الكتاب المقدّس، فما وافقه يمكن أن يؤخذ به،وما خالفه يُطرح ولو كان من معطيات العقول،كما سيأتي الحديث عن هذا الموضوع بالتحديد.

 

وفكرة العرض على الكتاب المقدّس الراسخة في منهج المؤلّف هنا، تذكّرنا بالنظريّة الموجودة بين المسلمين في عرض السنّة والحديث على القرآن الكريم فما وافق القرآن يمكن الأخذ به وما خالفه يُطرح ويترك،وهي نظريّة انتصر لها العديد من العلماء المسلمين خاصّةً في القرن الأخير، فيما تجاهلها كثيراً فريقٌ آخر، ويبدو من فريقٍ ثالث التحفّظ عليها، حتى أنّ بعض علماء الحديث من أهل السنّة اعتبروا روايات العرض على القرآن من وضع الزنادقة.

يحاول الكتاب في مواضع كثيرة أن يقرّب أيّ فكرة لاهوتيّة من زاوية عملانيّة، فيسأل عن الفائدة في هذا الموضوع العقائدي مثلاً أو ذاك، وعلى سبيل المثال فقط ـ والأمثلة كثيرة جداً ـ نجده عندما يتحدّث عن قضيّة معقّدة ونظريّة بحجم مسألة التجسّد، يسعى لمقاربة الموضوع من زاوية الفوائد العمليّة لهذا التجسّد، وأنّ هذا التجسّد هو حاجة إنسانيّة من نوع القدرة على مخاطبة الله وجهاً لوجه.

وهذه المحاولة يشبهها في التجربة الإسلاميّة ما طرحه مؤخراً بعض العلماء ـ خاصّةً السيد محمّد باقر الصدرـ حول البُعد الاجتماعي للعقيدة وأصول الدين، فالعقائد ليست طروحات نظريّة مجرّدة انتزاعية تحليليّة،بل يمكن تحويلها لطاقة إيجابيّة في الفعل الاجتماعي والروحي، وفهمها فهماً اجتماعيّاً ونفسيّاً.