الإلحاد ونبذ التديّن ... الأسباب والحلول

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font

الشيخ عبد المنعم خلف المشكور المذحجي

تتعرض الأمة الإسلامية,وفي مجالات ومستويات مختلفة,إلى أمراض متعددة, تعصف بها لتترك أثارا مدمرة للبنية الفكرية الاجتماعية,وعلى أصحاب الشأن خاصة،وأبناء المجتمع العامة،التصدي منعا لتفاقم تلكم الأمراض ووصولها إلى مستوى اليأس من علاجها،و هذه الأمراض قد تكون أخلاقية أو عقائدية أو فكرية وتتفاوت في مستوى بذل الجهود للقضاء عليها.

ومن الأمراض التي تتعلق بالجانب العقائدي الذي يمثل منظومة الارتباط بالرؤية الكونية هو الإلحاد الذي برز تياره منذ قرون الإسلام الأولى وتصدى لها المخلصون لدين الله العالمون بأصوله وفروعه وعلى رأسهم الأئمة المعصومين من أهل البيت(عليهم السلام).

إلا أن هذا التيار،يضعف تارة،ويشتد أخرى،وذلك حسب ظروف المرحلة التي يستغلها والبيئة التي يعشعش فيها فكره المنحرف.

إن قضية الإلحاد ليست جديدة،حيث وجد منذ ما قبل بزوغ نور الإسلام وقد وثّقها القرآن الكريم في أكثر من آية,منها قوله تعالى:﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَن يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت:40].

وقال عز من قائل:﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:180].

كما أن ظاهرة الإلحاد ليست مقتصرة على بلد دون آخر،ومعارضتها ليست موجهة لديانة دون أخرى بل هي تعارض المنهج الإلهي عموما ولذا فهي منتشرة في عموم أنحاء العالم,وقد تعددت الأقوال واختلفت الإحصاءات التي تناولت نسبة أو أعداد الملحدين في البلاد الإسلامية عموما وفي العراق خصوصا,ولكن المتيقن إن هذه الظاهرة ليست منتشرة إلى حد مخيف,ولكنها موجودة على أية حال ويجب علينا عدم إغفالها وإلا فإن الأعداد سوف تتزايد حتما,إلا إن النوع الآخر الذي يجب أن ننتبه إلى وجوده هو عدم المبالاة بالدين,وقد تكون هذه الحالة مقدمة للإلحاد.

إن كثيرا من أتباع هذا التيار,يتجنبون التصريح بإلحادهم لكونهم يعيشون غالبا  في بيئة دينية أو على الأقل تحترم الدين،إلا إنهم يجسدون عمليا هذه المنهجية في سلوكياتهم من خلال الانتفاض على الأديان السماوية وعدائهم لأنصارها ضمن سلوك مضطرب المعالم فاقد للأدلة والبراهين يسمى اللادينية.

ونود أن نلفت النظر إلى أن بعض أصحاب الآراء المتحررة،يتهمون أصحاب النظرية الدينية بأنهم يمارسون استبدادا فكريا تجاههم،ويتهمونهم أيضا بلصق تهمة الزندقة والإلحاد في كل من لديه أفكار تحررية,والحال إن الاعتراض على أصحاب النظرية الدينية إنما هو اعتراض على الأسس والثوابت القرآنية والنبوية التي لا يمكن التهاون بها,ثم إن أصحاب النظرية الإلهية لديهم تصورات ثابتة عن الإلحاد منطلقة من تلك الثوابت,ولسنا في صدد الحديث عن هذه الظاهرة(اعني ظاهرة الانفتاح والتهاون في المعتقدات دون الوصول إلى درجة الإلحاد)التي لابد من علاجها أيضا،وإنما بصدد البحث عن الأسباب والحلول لمشكلة اشد منها خطرا وهي الانغماس في وحل الإلحاد.

الإلحاد لغة:قال ابن منظور:«الإِلحاد في اللُّغةِ المَيْلُ عَنِ القصد(والقصد يعني الاستقامة), وأَصل الإِلحادِ: المَيلُ والعدول عنِ الشيْءِ»,وقال الفيروز آبادي:»ألْحدَ: مالَ، وعدَلَ،ومارَى،وجادَلَ»,وقال الطبري:»أصل«الإلحاد»في كلام العرب:العدول عن القصد،والجورُ عنه، والإعراض,ويستعمل في كل معوَجّ غير مستقيم».

الإلحاد اصطلاحا:الإلحاد في الاصطلاح يطلق على الميل عن الحق، قال الراغب: «أَلْحَدَ فلان: مال عن الحقّ»,وقال في تعريفه للغيب:«هو ما لا يقع تحت الحواسّ ولا تقتضيه بداية العقول،وإنما يعلم بخبر الأنبياء عليهم السلام،وبدفعه يقع على الإنسان اسم الإلحاد»,وقال ابن عباس رضي الله عنهما:»الإلحاد:التكذيب,وجاء في «معجم لغة الفقهاء» أنه:(الكفر بجميع الأديان،وإنكار جميع الرسالات),ولعل هذا هو أقرب التعريفات الاصطلاحية لما يراد بالإلحاد في عصرنا,ذلك أن أهل الكتاب رغم ميلهم عن الحق إلا أنه لا يقال عنهم:ملحدون،وكذا من ترك الإسلام للنصرانية مثلا لا يقال:إنه ألحد، بل يقال: ارتد وتنصر،ولا يقال:إنه ملحد،وإن كان مال عن الحق والإسلام.

علامات الملاحدة واللا دينيين

وعموما،فإن للإلحاد واللادينية,علامات يمكن من خلالها أن يعرف الإنسان نفسه أو يعرف غيره، فمن هذه العلامات:

أولا:إنكار الغيب والاعتراف بالقيم الناتجة عن المحسوس والملموس,فهم ينكرون الخالق الموجد و كل ما يتعلق بالتوحيد من ملائكة وأنبياء وكتب سماوية ومعاد أخروي.

ثانيا:إثارة الإشكالات والتشكيكات على العبادات وفرائضها.

ثالثا:احتقارهم واستهانتهم بالقيم الأخلاقية السامية التي يؤمن بها أهل التوحيد ولو بشكل تدريجي أو خفي بسبب خشيتهم من معارضة مجتمعاتهم المحيطة بهم.

رابعا:استخفافهم بالشعائر الدينية وسخريتهم ممن يمارسها ووصفه بالتخلف والجهل, وذم تلك الممارسات والبحث عن كل ما يسيء إليها وتحشيد الطاقات والرأي العام لمحاربتها ومنعها.

خامسا:إثارة الإشكالات العديدة على القرآن الكريم و نعته بمختلف النعوت ونفي إعجازه العلمي والتاريخي والطبي والاعتراض على قيم العدالة والتكامل الموجودة فيه بقصد تضليل الرأي العام الإسلامي وزيادة عدد أنصارهم,(وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القران والغوا فيه لعلكم تغلبون )فصلت / 26

سادسا:إثارة الشبهات حول الشخصيات الإسلامية المتصدية وإثارة الفوضى إزاء بعض العثرات.

سابعا:تحميل الإسلام كمنهج الهي سامي كل الأخطاء التي ترتكب باسمه،في محاولة لمعاقبة النظرية الإسلامية بعد ربطها بالإخفاقات التطبيقية للمرتبطين بالإسلام.

 ثامنا:ادعاءهم إن الدين هو سبب البغضاء والكراهية،وان الحروب وسفك الدماء هي من نتاجه،وان الدين أفيون الشعوب وسبب أساسي لتخلفها.

تاسعا:انبهارهم الشديد بالأنظمة العلمانية والدول المتقدمة صناعيا واعتبارهم إياها مثلا أعلى وقدوة صالحة للشعوب التي تريد النهوض والعيش السعيد،والتغاضي عن مساوئ تلك الأنظمة ومشاكل شعوبها.

أسباب نشوء الإلحاد ونبذ الدين

لا شك أن ثمة عوامل عديدة متنوعة،قد ساهمت في بروز هذا الانحراف العقائدي،ارتبطت بالجانب النفسي والاجتماعي والسياسي والثقافي،ونحن لا ندعي ضرورة أن تكون هذه العوامل هي الأسباب اليقينية لهذا الانحراف،بقدر ما نريد أن نلفت الأنظار إلى حالات مرصودة قد تكون سببا مباشرا أو غير مباشر في هذا الانحراف وفي غيره من الظواهر المرضية الأخرى التي يجب التصدي لها ومكافحتها ومعالجتها.

 ومن هذه العوامل:

الأول:النشوء في بيت لا يهتم بالدين حيث قد يكون الأبوان لا يهتمان بالقيم والمبادئ الإسلامية،ويكون همهما الأول والأخير العيش في هذه الدنيا في إطار تلبية الاحتياجات المادية للأسرة ولا يوجد لمفردة الحياة المعنوية مكان في قاموسهما.

الثاني:وقد يكون الأبوان ملتزمين دينيا ولكن التزامهما لا يعدو كونه عادة روتينية خالية من المحتوى الروحي مما ينتج كونهما مقصرين أو قاصرين في تربية أولادهما.

الثالث:خلو المدارس والجامعات من المنهجيات التربوية الحقيقية الهادفة،سواء على مستوى المناهج الدراسية الجافة أو المختصرة التي لا تسمن ولا تغني من جوع،أو المناهج الدينية السطحية,أو على مستوى من يقوم بتدريس المناهج العلمية التي يمكن استغلالها في تقوية الإيمان بالله لما لها من علاقة صميمية ببيان قدرة الله وبديع صنعه،مما ينتج جيلا فارغا من المعرفة العقائدية.

الرابع:غياب المنهجية العلمية في بعض أساليب تبليغ الرسالة الإسلامية في المساجد والمجالس الحسينية ومراكز التثقيف الإسلامية،وضعف استجابتها أو إبطاءها في الرد على الشبهات والشكوك التي تثار حول الإسلام وضعف كفاءتها أمام وسائل الغزو الثقافي المعادي للإسلام .

الخامس:مع أن لدى الإسلاميين العديد من القنوات الفضائية إلا إن الملاحظ هو ضعف الإعلام الهادف والممنهج فيها,كما ان نسبة الفضائيات الدينية العاملة المربية ضعيفة جدا بالنسبة إلى عدد تلك الفضائيات,حيث نلاحظ شحة البرامج التي تعرض الإسلام في واجهته الفكرية والحضارية مقارنة بالاهتمام بالبرامج ذات الأهمية الجانبية,بل يصل الأمر ببعض الفضائيات أن تجعل كل برامجها مقتصرة على اللطميات والمواليد فقط.

السادس:الانتشار المتزايد للمقاهي التي يشيع فيها غالبا,اللعب واللهو وإثارة الأفكار المنحرفة مما يجعل الشباب الفارغ فريسة سهلة الصيد من قبل ذئاب الفكر المنحرف الذين يطرحون ما يشاؤون من أفكار منحرفة بلا رقيب ولا رادع.

السابع:جنوح الإنسان عادة إلى الشهوات واللعب واللهو والتحرر من القيود،فيفترض افتراضات باطلة ليجعلها أساسا يستند إليها لتبرير انفلاته وانحرافه.

الثامن:وجود الأخطاء عند بعض الإسلاميين سواء كانوا إفرادا أو جماعات وسواء على المستوى الديني أو السياسي،مما يحدث ردة فعل عند الناس وخصوصا الشباب،فينتقمون من كل مظاهر التدين.

التاسع:بروز الجماعات الإرهابية المتطرفة التي تدعي أنها الممثل الوحيد للإسلام وتكفّر كل من يخالفها في الرأي,فتمارس العنف والقتل وتنتهك الحرمات كالقاعدة و داعش والنصرة وبوكو حرام وغيرها.

العاشر:انعدام الرقابة على الشبكة العنكبوتية,وترك الباب مفتوحا أمام المواقع الالكترونية الضالة المضلة التي تخدع الشباب وتلبس عليهم الباطل بلباس الحق.

الحادي عشر:الظلم الاجتماعي والعنف الأسري بحق الأبناء ومصادرة حقهم في إبداء أرائهم،والسلوكيات التعسفية بحق الإناث خصوصا،يورث حقدا على الدين بعد توهمهم ان الدين هو الراعي لهذا الاستبداد وذلك بسبب عدم الاطلاع الكافي على النظام الاجتماعي والأسري في الإسلام البريء من هذه الممارسات.

الثاني عشر:وجود النعرات الطائفية بين المسلمين وإشعال النزاعات بين البلدان الإسلامية وارتكاب المجازر بحق الأبرياء،مما يجعل الكثير من الناس ينأون بأنفسهم عن الدين،معتقدين ان الدين الإسلامي هو سبب هذه المشاكل وان الابتعاد عن الدين هو  الأفضل للعيش بسلام .

ولمكافحة هذه الظاهرة المرضية,فإن على الجميع تحمّل المسؤولية الكاملة في إنقاذ من سقط في أوحال الشك والحيرة وذلك من خلال الإجراءات التالية :

أولا:تكثيف التعاون وعلى مستويات عليا بين مؤسسات الحوزة والجامعة واتخاذ قرارات تتوازى مع خطورة هذه الظاهرة وعدم الاكتفاء بعقد المؤتمرات دون اتخاذ خطوات عملية فاعلة مجدية مؤثرة،لاسيما وأن إمكانات هاتين المؤسستين عالية من حيث وجود العلماء والمفكرين وتوفر الإمكانات المادية القادرة على إحداث تغيير في المجتمع.

ثانيا:على الدولة بكافة دوائرها الدينية والتربوية والثقافية والعلمية،تحمّل مسؤوليتها,والاهتمام بأمر رعاياها،وتسخير إمكاناتها لدعم كل الجهود للقضاء على الإلحاد ونبذ الدين.