الموظفون.. بين حلم الدراسات العليا وشروط القبول

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
الموظفون.. بين حلم الدراسات العليا وشروط القبول

حيدر حسين سويري

   إنها حكايتهم في كل عام، موظفو الدولة، أن يُوفقوا للحصول على موافقة القبول في الدراسات العُليا، لنيل شهادة الماجستير أو الدبلوم العالي، وكل عام في الشهر السابع بالتحديد، ينتظرون صدور تعليمات وشروط وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، للقبول في الدراسات العليا، لكنها ككل عام، تأتي مخيبة للآمال، ولا يترك لهم أيَّ بصيصٍ من أمل للتنافس.

   يقول المدرس(سعد الزاملي): المشكلة ليست فينا(نحن الراغبون في الدراسة) قطعا، لكنها في الشروط والتعليمات، فأول شرط وأهمها، شرط المعدل، حيثُ يشترطون: وجوب أن يكون معدل البكالوريوس العام65% فما فوق! ولا أدري لماذا؟! ألا يُمكن للإنسان أن يُطور فكره وذكاءه، في السنين التي تلت دراسته الأولية، أفلا يُمكن أن يَحصل الإنسان على درجات واطئة ثم يحسنها، في المرحلة اللاحقة ؟! ألسنا كُلنا نؤمن بأن الإنسان كائن متطور ومتغير؟! ألا يُمكن الحصول على المعدلات العالية، من خلال الغش والواسطة والرشوة؟!

المطالبة برفع شرط المعدل للقبول بالدراسات العليا

لماذا لا يتم قبول التلميذ في ثانويات المتميزيين، وإن كان معدلهُ 100% حتى يتجاوز إمتحان الكفاءة الذي تقيمهُ ثانوية المتميزين؟! أفلا يجدر بالجامعات أن تحذو حذو ثانويات المتميزين في ذلك؟!  فأرى من الإنصاف رفع شرط المعدل من التنافس نهائيا...

    جاء بصيصٌ أمل، بفتح القناة الخاصة للتقديم، أي الدراسة على النفقة الخاصة وبمبالغ كبيرة، فرح الكثيرون، بالرغم من ظروفهم المادية الصعبة وإعتمادهم الكُلي على رواتبهم الوظيفية... لكن كان لـ(حسن عبدالله)، المحاسب في إحدى الوزارات، وممن يحلمون بالقبول أيضا، رأيا مهما، حيثُ قال: هي فرصة، حيث أنهم يستثنون العمر والمعدل، ولكن المشكلة لا تقف عند الشرط الأول فقط، وإنما عند الشرط الثاني أيضا، فلقد عَكَّرَ علينا فرحتنا، وهو أن تكون حصة المعدل 60% من درجة التنافس! ولا أدري لماذا 60%؟.

المعدلات العالية ليست مقياسا للكفاءة

   لكن ثمة مشكلة أُخرى بدت ملامحها واضحة على وجه(ماهر)، مدرس في إحدى الثانويات، حينما أطلق ضحكة حزينة، ثم قال: دخلتُ التنافس... كانت فرحتي كبيرة، لأنني إجتزتُ إمتحان اللغة الإنجليزي(التوفل)، وإمتحان الحاسوب(IC3)، وإمتحان التنافس للمادة الإختصاص، المادة المتقدمين للدراسة فيها، ولكن جائت الطامة الكُبرى، والمفاجأة العظيمة(والعراقُ أبو المفاجآت)، حين ظهرت القبولات وبان تسلسلنا، كان أفضلنا(نحن أصحاب المعدلات الأقل من 65%) في المرتبة التاسعة, ولهذا لم نُقبل، لأن خطتهم لا تقبل سوى متقدم واحد فقط، وبعد توسعة خطة القبول، أصبحوا 3 متقدمين، لكن المشكلة ليست هنا، إنما في أصحاب الحظ السعيد، والذين تم قبولهم، فهم لم يجتازوا الإمتحان التنافسي، ولا أي من الإمتحانات الأخرى! لقد كان معدلهم في الدراسة الأولية(البكالوريوس) 97% وهو سلم الصعود بل المصعد الكهربائي للصعود بلا منازع... ولي أن اسأل ذوي الشأن أيًّ كانوا: لو كان معدل هؤلاء(90% فما فوق) جاء عن كد وتعب، وجهد وإجتهاد، لماذا فشلوا في الإمتحانات التنافسية؟.

التقدم في العمر يحول دون تحقيق الحلم الدراسي

   نعم... لقد تم العمل بشرط النجاح بالإمتحانات التنافسية، ولكن(الإستاذ ماهر) وغيره قد تقدم بهم العمر، ولا طاقة لهم اليوم بالدراسة وجنودها، فقرروا الإستمرار بالوظيفة، حتى مجيئ الموت الوظيفي(التقاعد) أو يحكم الله وهو خير الحاكمين.

   ذهبتُ إلى كلية التربية الثانية(إبن الهيثم)/ جامعة بغداد، إلى قسم علوم الرياضيات بالتحديد، وجدت بعض الأساتذة وسلمت عليهم، فقالت إحدى أساتذة المادة الإختصاص: كنا غير راضين عن مستوى الطلبةِ فيما سبق، بالرغم من تنافسهم على قبولهم في القسم، وبالرغم من ظروفهم المعيشية الصعبة، لكنهم لم يستجدوا منا درجة واحدة، وكنا إذا أردنا أن نمنح درجة أو درجتين، نعقد إجتماعا مع رئيس القسم، وقد يتطلب الأمر موافقة العميد! أما اليوم فأصبحنا نحن من يستجدي الطلبة, إنَّهم لا يأتون إلى قسمنا، فهو صعب عليهم، فيُجبرون على دخوله، كنا نقول لطلبتنا: إن كُنتم لا تفهمون الرياضيات فلماذا جئتم لدراسته؟, أما اليوم فنحن لا نستطيع قول ذلك، لأنهم لم يأتوا عن رغبة, وكثيرٌ منهم لا ثقافة لديه، بل وكثير منهم كتابته العربية (ضعيفة) فكيف بالإنكَليزية.

   وبينت أُستاذةٌ أُخرى وقالت: يحمل بكالوريوس في الرياضيات ولا يعرف جدول الضرب, كان طلبتنا يعملون بعد دوام الكلية، لتأمين تكاليفها، وإعانة عائلاتهم، بسبب الحصار الإقتصادي المفروض على العراق في تسعينيات القرن الماضي، وكانت الحكومة تطاردهم بشتى الوسائل، ومنها: الإنتماء الحزبي، والإلتحاق بجيش القدس، ويوم النخوة، فضلا عن مطاردة جهاز الأمن لهم في النظام السابق، في كل شاردة وواردة وغير ذلك، ونحن كنا نعرف ذلك، وبالرغم من ذلك كنا نقسو عليهم، ولكن الآن(تاهت) فالعميد يأمر رؤساء الأقسام، بزيادة نسبة النجاح، ورؤساء الأقسام بدورهم يوكلوا الأمر لنا، فأصبحت الدرجات تُبذخُ بذخا، حتى وصل الأمر إلى الدراسات العليا، فكثيرٌ منهم لا يفقهون شيئا...

مطالبة وزارة التعليم بالإشراف على بحوث التخرج وتقيمها

قال أُستاذٌ آخر: أتمنى وأرجو من وزير التعليم العالي والبحث العلمي، الحضور بنفسه إلى قاعات الدرس، وإلى مناقشة الإطروحات، ليرى المهازل التي تحدث، داخل أروقة الجامعات، وأما نحنُ: فالعمر بدأ يتقدم بنا دون ان نحصل على فرصة بإكمال دراستنا العليا.

خرجتُ والحزنُ يعتصرني، مما سمعتُ ورأيت، لماذا كُل العالم يحلم بالمستقبل ونحنُ نحلم بالعودة إلى الماضي؟, لماذا نسير نحو الأسوء؟, لماذا لا نتعلم من الدول الأخرى ونشجع أصحاب الطموح بدلا من الوقوف كحجر عثرة أمام تحقيق أحلامهم؟.

   كانت محطتي الأخيرة شرب الشاي مع صديقي العائد من دولة الأمارات العربية المتحدة، مهندس الإتصلات(علي)، حيثُ بدأ يحكي لي، حكاية تعاقده مع شركة إتصالات إمارتية، والعمل معهم حيث قال لي:

   عندما قدَّمت عن طريق الأنترنت، للعمل في شركة إتصالات إمارتية، قدمتُ شهاداتي وأوراق تثبتُ خبرتي وعملي في هذا المجال، فأنا حاصل على ماجستير في هندسة الاتصالات، وعملتُ في شركة إتصالات عراقية لمدة 6سنوات، ولديَّ أبحاث عدة وغير ذلك من المؤهلات، وبعد أن تم الترشيح، سافرتُ إلى الإمارات وكنت أظنُ أن العقد جاهز، ولكني فوجئت بشرطهم: أن أدخل دورة تدريبية لمدة 6 أشهر، ويجب أن أجتاز إمتحان الدورة، كي يتم التعاقد معي، وبغير ذلك فلا مكان لي عندهم، وأوراقي لا إعتراف لهم بها...

واضاف قائلا: الحمد لله، نجحت في الدورة، وبقيت هناك 3 سنوات، كانت لي زيادة خبرة ومكسب مالي وفني...

وفي ختام رحلتنا نهيب بوزارة التعليم العالي والبحث العلمي، تشخيص الخلل الذي بيناه، ومعالجتهِ بأسرع وقتٍ ممكن، قبل أن يدب اليأس في قلوب الباحثين الحقيقين، والمحبين للعلم، ولات حين مندم.