مناهج البحث العلمي الحديثة للدراسات الدينية

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
مناهج البحث العلمي الحديثة للدراسات الدينية

د. محمد جواد رحمتي

شهد حقل الأبحاث الدينية في عالمنا تحولات متباينة منذ مطلع القرن الماضي والتي تأثرت بالتحولات العالمية الطارئة منذ القرن التاسع عشر, حين بدأت الثورة الصناعية, والتطور المتسارع  لتقنيات الاتصال, ولا سيما ظاهرة العولمة, التي جعلت العقل واللغة عرضة للتغير نحو الأفضل.

ان الحرص على كون البحث الديني مجديا وعمليا في عصر العولمة, يفتقر إلى تطور كمي ونوعي في هذه الأبحاث على مستوى مناهجها وأدواتها, من خلال التنوع في اتجاهات البحث ومناهجه, والتوظيف الصحيح لها, إضافة إلى الاستثمار الأمثل للمناهج في الموضوعات الرئيسة التي تدور حول بلورة تصور واضح للبحث واتجاهاته الأساسية, وتكوين رؤية لعملية البحث وتحديد الخطوات العلمية لكل الاتجاهات والآلية الخاصة بكل من المناهج الرئيسية.

وتنطوي كل محاولة فكرية جادة بتشعبها في اتجاهات متنوعة وتوسيع الانتشار في القضايا حتى تكون مليئة بالمضامين الفعالة, وهو أمر يفتقر دوما إلى الانضباط في تنسيق المواد وتقديمها, والتي يتطلب عالمنا اليوم بمستجداته اليومية جدية في التفكير والانتماء الفاعل بكل المكونات الحضارية, من لغة التعبير المستجدة الحداثوية والتحليلات النظرية والمعرفية ... حتى تستطيع مواجهة التحديات أو المستجدات في عصر التقنية الحديثة والحداثة, فعلى هذا يحتاج الباحث المسؤول إلى الدخول والتعرف إلى جميع هذه الأطر التي تعرف بــ"المنهج".

ويتسائل الباحث في بداية كل دراسة عن المناهج التي يمكن اعتمادها في البحث الديني, وعن الخطوات العلمية للبحث في ضوء كل من تلك المناهج.

ان التأملات المنهجية في حقل البحث الديني تتناول مناهج من قبيل: البحث التجريبي للدين, والبحث التاريخي حول الأديان, وعلم الأديان المقارن, وظواهر الدين, والدراسات التحليلية في البحث الديني, والتمييز بين البحث الديني الداخلي والبحث الديني الخارجي, إلى جانب تحديد ماهية هذه المناهج والخطوات العلمية للبحث فيها, بالإضافة إلى دراسة خياراتها ومعوقاتها وحالات الخطأ التي تتطرق إليها.

ان التعرف على الاتجاهات في الدراسات البينية للتخصصات في مجال الأبحاث الدينية, يمثل ضرورة لا يمكن تجاهلها بالنسبة للمراكز البحثية والأكاديمية, فان البحث يختلف جوهريا عن النشاط التعليمي أو التبشيري والدعائي, سواء في الأهداف والبنية أو المنهج والأدوات, وكثيرا ما نلاحظ غيابا للتمييز بين مشروع البحث والبرنامج التعليمي والمقالات العلمية, وأيضا في تقييم رسائل الماجستير والدكتوراه,فيجب تحديد نقاط تمكننا على أساسها ان نحدد القول بان النص الفلاني تعليمي أو دعائي أو بحثي؟ فطبيعة البحث وماهيته هي التي تزودنا بمقياس كهذا.

ماهية البحث ومرتكزاته.

تعريف البحث: البحث نشاط منظم ينتهي الى اكتشاف قضايا معينة, سواء كانت معطيات أساسية أو وظيفية, وبكلمة أخرى فهو نشاط منظم مسجل يؤدي إلى الكشف عن الحقائق ومتراكمة المعرفة, وعرفه جون ديوي: بأنه عبارة عن فعل خاضع للسيطرة او موجه, يتولى تحويل موقف مبهم غير محدد الى موقف يتسم بالوضوح والثبات الكامل عل مستوى خصائصه وعلاقاته, بنحو يصبح فيه ظرف تتحول خلاله عناصر المواقف او الحالة السابقة الأصلية الى كل متوحد.

 فالبحث عبارة عن معلومات منظمة, تتصل بنطاق علمي محدد وتمتلك هوية مشتركة, على نحو يتمخض عن إبداع في نهاية المطاف.

مرتكزات البحث

1-  المعلومات:

وهي نقطة البداية في البحث ويلعب نوعها دورا مهما في تشكيل نتائج البحث, وهي عنصر يحدد حجم فائدة البحث وجدواه, وان اهم نقطة بالمعلومات هي كونها مناسبة للبحث, ويجب ان يراعى فيها الأمور الآتية:" ان تكون معلومات لا معطيات, وان تكون المعلومات ذات صلة بالموضوع, وان تكون معلومات كافية ومتكاملة, وان تكون المعلومات صادقة ودقيقة, أن يراعى الوضوح والتحديد في المعلومات, وان تكون معلومات حديثة وموثوقة.

 

2-  المعالجة:

وجود المعلومات لا يكفي لوحده في تحقيق المشروط, فالبحث يبدأ منطلقا من المعلومات لينتهي بالإبداع وثمة مسار يمر به البحث وينتقل عبره من المعلومات الى المعطيات الجديدة, وذلك هو معالجة المعلومات وتحليلها على أساس منهجي, حيث تتحول إلى معطيات جديدة من خلال تحليل منهجي ومعالجة منظمة.

3-  التنظيم:

 ان تحليل المعلومات الذي يمثل العنصر الأساسي في البحث, يعكس ما يتطلبه هذا من التنظيم والتحديد المنضبط, إذ أن البحث بوصفه عملية محددة, يمتلك إطار وضوابط وقواعد معينة, وان ما يميز البحث عن الدراسات المشتتة هو خضوعه لإطار منهجي عام, الأمر الذي يمثل أهم خصائصه.

4-  الاختصاص بنطاق محدد:

لانستخدم مصطلح البحث في دراساتنا على نحو مطلق, بل غالبا ما نستخدمه مضافا لفرع من المعرفة البشرية, فنقول: الابحاث الفلسفية, او الابحاث الكلامية, او النفسية, ..... الخ, وهذا هو النطاق الذي يتحرك في البحث, وان السر في اختصاص البحث بواحد من العلوم يكمن في ان الممارسة البحثية لاتمثل سوى معالجة منهجية لمسالة محددة, وان البحث في علم معين يتطلب الاحاطة بمبادئه وموضوعاته ومناهجه وبنيته.

5-  الهوية العامة:

ان كل مشروع بحثي, في ضوء اختصاصه بنطاق محدد, هو جزء من هوية العلم العامة يمتلك موقعه الخاص في مجموعة العلوم, ويلعب دورا معينا بوصفه عنصرا في منظومة محددة وشبكة خاصة, وان أي بحث في حقيقة الامر جزء من الممارسة العامة للباحثين في نطاق معين ضمن تاريخ العلم الماخوذ بنظر الاعتبار, كما انه يحتل نقطة في مسار تطور هذا العلم.

6-  الإبداع:

يمثل الإبداع, أهم ما يميز البحث عن برامج التعليم أو الجهد العلمي, فحين يهدف الباحث الى تعليم المعطيات وإشاعتها, يحاول البحث ان ينتج المعرفة العلمية, وان الباحث بصدد اكتشاف أمر لم يجر اكتشافه بعد, ثم ان هنالك جوانب متعددة للإبداع, فحصيلة البحث تكون تارة صياغة سؤال جديد وقضية مستحدثة, او عن نظرية جديدة, أو بما يؤسسه من منهج جديد.

ماهية الأبحاث الدينية وأهداف التعلم:

إن من أهم أهداف التعلم هو التعرف على ان الدين يؤدي إلى ظهور علوم الكلام والفقه والأخلاق بوصفها علوما وسائطية بين الوحي والعقل واللغة لدى المتلقي, وان دراسة ظهور العلوم المنسوبة إلى الدين في ضوء القراءة الحديثة له, كعلم نفس الدين وعلم اجتماع الدين وتاريخ الأديان وفلسفة الدين.

وأما ماهية الأبحاث الدينية, فانه يطلق بنحو عام على تلك الدراسات التي تعنى بالأديان, والتعاليم الدينية, والأبحاث التي تتناول السلوك والطقوس والظواهر الدينية, وان فلسفة الدين وعلم نفس الدين, وعلم اجتماع الدين, وتاريخ الأديان, فإنها تمثل حصيلة الحداثة.

فروع البحث الديني:

يتفرع عن البحث الديني فروع عدة ومنها: علم الكلام, وفقه الدين, والأخلاق, وعلم نفس الدين, وعلم اجتماع الدين, وفلسفة الدين, وتاريخ الأديان