بقايا سور النجف …جدار يتحدث عن مظلوميته !! / تحقيق حيدر حسين الجنابي

10 أكتوبر، 2014
864

 

تصوير …حسين الجبوري

ذرات من رمال وماء اراد لها الزمان ان تغفوا في بلاد امام الدنيا والاخرة ، بعد ان تتحول الى سور يلوذ الناس بحماه ، وهو يلوذ بحمى الامام علي بن ابي طالب عليه السلام .

فلم تفلح كل محاولات الغزاة والوهابية والاحتلال البريطاني في النيل من النجف وسورها الذي كان حصنا منيعا تتكسر على ابوابه مخططات اقتحام النجف ، ومرقد الامام علي والذي كان يحمي مدينة تبلغ مساحتها نحو 1338 كم2″ .


سور النجف.. من يحميه !

’’ يسموك حامي الحمه ويراد لك حماي ’’ (مثل نجفي )

فلم تغيب من ذاكرة التاريخ هذه الكلمات الكبيرة التي وجهها احد النجفيين للامام علي عليه السلام، عندما حاول الوهابية دخول المدينة ، فهب الناس للدفاع عن مرقد الامام علي عليه السلام والنجف الاشرف ، وعندما وصلو وجدوا هؤلاء الغزاة قتلى .

فهذا السور المدمر الذي لم يبقى منه الا امتارا ، بات اليوم يستصرخ ويستغيث باهله وبكل محبي الامام علي عليه السلام وبحوزة النجف وابناء المحافظة الذين كانوا يحتمون به مئات السنين ، بعد ان دمر السور السادس بالكامل عندما أزيل عام 1937م ولم يبقى منه إلا جزءا موجود الان بين الأبنية والبيوت التراثية قرب منطقة خان الشيلان يطل على شارع السدير الذي يقع باتجاه مدينة الكوفة عاصمة الخلافة الاسلامية ابان حكم الامام علي (ع ).

فلم يبقى منه الا امتارا تذكرنا بهويتنا وتاريخنا ،بعد ان بات مهددا بالاندثار نهائيا ، بسبب عدم صيانته فضلا عن الاهمال المتعمد ، وبعد ان تحول طابوقه الى اللون الاسود بسبب دخان المولدة الكهربائي لاحد الفنادق .

 

 

هدم السور …الغاء لتاريخ النجف

يقول حسين السلامي، اكايمي مختص بعلم التاريخ ” لكل مدينة معالم شاخصة تسطع بشموخها وبقائها دليلا على ماثر ابنائها وصمودهما امام غارات الاعداء محاولين تخريب تلك المدينة فقد استطاع ابنائها من صد تلك الهجمات”.

وبين السلامي ” فقام ابنائها ورجالها الغيارى ببناء الاسوار لتكون دروع واقية لصد الهجمات ومن تلك الماثر بناء الاسوار والتي تعتبر ماثر يجب علينا ان نعتزبها لا نهدمها والا ما بقى لنا من تلك الماثر التي نفتخر بها لان الحفاظ على الشواخص التاريخية ينبع من احترام الناس انفسهم لها وارتباطهم بها، ويجب ان لا يتم السماح بتلف مثل تلك الشواخص القديمةىمن تهديم اولاتحوير وهذا يعني ازالة ماضيها ،من غير المعقول ان نلغي تاريخ وحضارة مدينة”.

ويؤكد المعماري والباحث في العمارة الإسلامية الدكتور محمد علي الانصاري ” سور النجف القديم من ابرز معالم النجف الاثرية وقد شيّده السلطان عضد الدولة فناخسروا بن بويه الديلمي لمدينة النجف حين عمّر المرقد بين سنة 367هـ و372 هـ وبنى الحسن بن سهلان وزير عضد الدولة سنة 400 هـ سوراً آخر حول المدينة، فأما أن يكون السور الأول تصدّع فهدمه واعاد بناءه او بنى سوراً اوسع من الاول وهدّم الاول. ثم بنى احد ملوك الهند سوراً آخر يقال انه اوسع من السور الثاني الذي شيّده الحسن بن سهلان، ويقال ان نادر شاه حين مجيئه للنجف سنة1156هـ أمر بتسويرها ولعله اصلح السور السابق. وشيّد نظام الدولة محمد حسين خان العلاف الاصفهاني وزير فتح علي شاه القاجاري سوراً يعتبر اعلى الاسوار التي شيّدت سابقاً واحكمها وهو الذي كان موجوداً حتى سنة 1357هـ (1937م” .

 

 

حصن تكسرت الغزاة على ابوابه

ومن جهته تحدث الباحث والمؤرخ جواد ابو غنيم ” بني السور لصد هجمات الوهابية وللحماية من الغزاة والاحتلال للمدينة اذ جرت حملات لغزوها بين اعوام 1799_ 1807 م ، وكان حصنا منيعا للدفاع عن مدينة النجف الاشرف المقدسة ومرقد الامام علي عليه السلام ، وكانت المنطقة الشمالية والشرقية تقع تحت مسؤولية عشائر الشمرت في محلة المشراق ومحلة العمارة ،اما المنطقة الجنوبية والغربية فكانت بقيادة عشائر الزكرت والتي تشمل منطقة الحويش والبراق “.

ويضيف ” ان للسور ابوابا فمن الجهة الشرقية كانت الباب الكبيرة والتي تقع قبالة السوق الكبير حاليا ، والباب الثانية كانت تسمى باب شتاثية التي تقع نهاية شارع الطوسي ، حيث كانت ممرا من والى المرقد والمقبرة وطريق كربلاء المقدسة ، اما الباب الثالثة تسمى الثلمة والتي تقع مقابل مرقد الصحابي صافي صفا ، وقد فتحت مؤخرا في السور السادس بعد ان حصلت ثلمة في السور ” .

” ولما يمثله هذا السور اطالب بإعادة ما بقي منه ، ليكون شاهدا على بطولات ابناء حيدر الكرار وما يمثله هذا الحصن من دليل شاخص على تاريخ وهوية النجف ، واطالب مجلس المحافظة والمحافظة ودائرة الاثار بحماية ما تبقى من ، واتمنى من مجلس المحافظة ان ياخذ دوره الحقيقي في اصدار قرار قوي يمنع فيه مسخ تراثنا ومعالمنا التاريخية ومنعا ترميم السور ومنع التجاوز عليه وحمايته “.

 

 

وللسور حرمة

ويطالب نقيب المحامين العراقيين فرع النجف محمد المهنا بحماية السور ” يجب على ابناء النجف المحافظة على المتبقي من تراثهم وماضيهم وتاريخهم، ولابد من حماية السور، ويجب التصدي للحفاظ عليه بتطبيق قانون العقوبات وقانون الاثار وكذلك القوانين الاخرى، لان للأموال العامة حرمه على الناس كافه، ويجب التصدي له امن كافة المواطنين، حسب نص المادة 27 من الدستور” .

واضاف ” كما نطالب من الدوائر ذات العلاقة كدائرة الاثار والتراث في المحافظة ومجلس المحافظة وكل المثقفين من ابناء النجف التصدي لهذه الظاهرة وحماية تراثهم” .

عندما يتكلم حماة التاريخ

وتؤكد رئيسة لجنة السياحة والاثار في مجلس محافظة النجف اسيل الطالقاني ” عملت لجنة السياحة والاثار على الاهتمام بالمواقع الاثرية في المحافظة ، ومن تلك المواقع، بقايا سور النجف القديم”.

واضافت ” بعثت اللجنة كتابا الى مفتشية اثار وتراث النجف لاستعلامهم عن قضية انتهاك حرمة السور ، الذي بدأ بالتساقط جراء تجاوز احدا صحاب الفنادق عليه بعد ان وضع مولدته مجاور السور مما اثر عليه وتعرضه للهدم بسبب ارتجاج المولدة ” .

وبينت ” بعد ان خاطبنا مديرية الاثار ، عملت هذه المديرية على رفع دعوى قضائية ضد صاحب الفندق المجاور للسور” .

واوضحت ” اننا كلجنة اثار نعمل على ان يتم ايقاف هذا التجاوز بأسرع وقت لأنه كلما تأخرت الفترة، كلما هدم السور، وهذا ارث لا يمكن التفريط فيه ولدى لجنة السياحة والاثار فكرة بجعل هذا المكان مقصد من مقاصد السائحين الى المدينة ليعرفوا عمق تاريخ مدينة النجف الاشرف وسنعمل على هذ الامر ونعيد هويته وافتتاحه امام السواح ” .

ضياع هوية النجف جريمة …

ويقول الحاج سعد الحداد 78 عاما من سكان المدينة القديمة ” السور أنشئ لحماية مدينة النجف من الهجمات التي كانت تتعرض لها من قبل الأعداء بقيت بعض اثار السور و ما زال يطلق على منطقة من مناطق امتداد السور باسم شارع السدير لا توجد نية لتعمير و اعادة بناء هذا الصرح العظيم الذي جعل النجف قلعة اسود تصد هجمات المعتدين ” .

ويتحدث مدير وكالة عين للأنباء سامي العبودي ” تعتبر مدينة النجف الأشرف واحدة من أشهر المدن الحضارية في تاريخ العالم الإسلامي , وقد لعبت أدوارا حضارية في التاريخ , لما تمتلك من ارث , وعلى جميع المستويات , ولاتزال إلى اليوم مركزا اشعاع للعالم وبكافة المستويات الدينية والثقافية والروحية” .

واضاف” يعتبر سور النجف الأشرف من أهم المعالم الأثرية فيها, فقد ذكرها المؤرخين في العديد من كتبهم , ويعود تاريخ بنائها لسنة367هجرية ومازال قائما على حاله حتى عام (1957) هجرية , وعدها المؤرخين من أهم المعالم التاريخية المهمة في تاريخ العالم الإسلامي , كونه يمثل صرحا حضارياً وثقافياً لما يتميزمن حرفية عالية في فن العمارة والبناء”.

مبينا ” كان للسور فوائد كثيرة منها حماية المدينة منا لاعتداء والغزو من قبل الطامعين فيها وكذلك لأمور تنظيمية تتعلق بتنظيم شؤون سكان المدينة , ومن الجانب الإعلامي يلعب السور أهم الأدوار الإعلامية لأنه يبرز حضارة وتاريخ المدينة المقدسة وما تتمتع به من تطور عمراني آنذاك ومواكبته لتطور البلدان الأخرى في العالم ” .

ومن منطلق حرص المحافظة على تاريخ العراق وارثه الحضاري والثقافي وماله من أهمية وضرورة قصوى إلى الأجيال القادمة فإننا نطالب وزارة السياحة والاثار بحماية المتبقي من السور ونطالب مجلس محافظة النجف الأشرف باصدار قرار خاص للحفاظ على السور وباقي الآثار في محافظة النجف الأشرف والإسراع بترميم ما تبقى منه والحفاظ عليه , ونطالب كافة المسؤولين بهذا الشأن بإعطاء الآثار اهتماما أكثر والحرص عليها , كون الأمة التي لا تملك تاريخ لا تستطيع أن تبني المستقبل” .

ستة اسوار لاكثر من الالف عام

ويبين الباحث جليل سعيد عن تاريخ سور النجف ” تذكر المصادر ان للنجف عبر تاريخها ستة اسوار الاول منه بني بعد عام 170هـ ، اي بعد ظهور الامام علي ع حيت اصبحت النجف مدينة واتسع نطاق العمران فيها ، وقد مرت عمارتها بثلاثة اطوار ،والطور الاول يمثل عمارة عضد الدولة البويهي الذي امتد من سنة338 هـ إلى القرن التاسع الهجري ، وهو يمثل عنفوان ازدهار مدينة النجف ، حيث شيد أول سور يحيط بالمدينة ، ثم بنى أبو محمد بن سهلان الوزير البويهي سنة 400 هـ السور الثاني للمدينة. اما الطور لثاني فيقع بين القرن التاسع واواسط القرن الثالث عشر الهجريين ، حيث أصبح عمرانها قديماً وذهبت نضارتها بسبب الحروب بين الاتراك والفرس ،والثالثيمثل العهد الاخير الذي يبدا من اواسط القرن الثالث عشر الهجري ، وفيه عاد إلى النجف نضارتها وازدهر العمران فيها ، وحدثت فيها الكثير من التغيرات العمرانية والثقافية والخدمية ، بعد أن كانت قضاء تابعاً لمحافظة كربلاء ” .

واضاف ” بين سنتي 550 هـ و656هـ اعتنى الخليفة الناصر لدين الله العباسي عناية فائقة بالمدينة ، شملت اعمال عمران واسعة وترميم المشهد العلوي الشريف. اما في سنة1226 / هـ / 1810 م، أمر الصدر الاعظم نظام الدولة محمد حسين خان العلاف وزير فتح علي شاه القاجاري ) بتشييد أضخم وأقوى سور للمدينة بعد ان تكررت هجمات غزاة نجد من الوهابيين على المشاهد المقدسة ،وفي نهاية القرنين السابع والثامن الهجريين وفي عهد السلطتين الالخانية والجلائرية في العراق تطورت النجف من حيث العمران وازدحام السكان وانشاء دور العلم بقت الاسوار الى عام 1937 اذ جرى تهديمها ”

خمسة ابواب لمحلاتها الاربع

ويقول السيد محمد ابراهيم طالب حوزوي ” في عهد القائم مـقام جعفر حمندي عام 1931، افتتحت الحكومة المحلية خمسة أبواب في سور النجف وخططت الساحة الكبيرة في جنوبها ، وقام التجار وأهالي المدينة بإقامة القصور والدور والمقاهي والحدائق والحوان ” .

 

ويذكر لونكريك في كتابه ) أربعة قرون من تأريخ العراق الحديث ( ج3 ص247 والتي أعنفها الهجمة التي حدثت عام1218هـ / 1803موالتي تعتبر غزوة ثالثة ، حيث دافع النجفيين دفاعا عنيفاً

وبين ” اوشك الوهابيون أن ينجحوا بغاراتهم المفاجئة للنجف غير أن النجفيين تصدّوا لهم من السور فكسروهم , ولم تستطع القوة الغازية من اقتحام المدينة ” .

متحف السور

 

وبالرغم من الهجمات والعوامل الطبيعية والتخريب الذي طال السور فما يزال فيه روح تتحدث عن قصص البطولات والتضحية التي يرويها الطابوق والآجر ، ولازال السور شاهد حي …يستصرخ لإنقاذه وهذه دعوة للمعنيين والمسؤولين والمؤسسات للسعي الجاد الى حمايته ورفع الظلم عنه وترميمه وابرازه لأنه يمثل هوية النجف الخالدة وتحويله الى ” متحف السور ” كأسوار مدن العالم العريقة التي تحترم نفسها وتاريخها من خلال الحفاظ على اثارها .


المصدر وكالة الميزاب

التصنيفات : تقارير