دور المسجد في الإصلاح الاجتماعي / د . رزاق محمود الحكيم

10 نوفمبر، 2014
182

 

 اقترنت مهمة المسجد منذ تأسيسه في الإسلام بالعبادة والتقوى ، والدعوة إلى العلم النافع ، والعمل الصالح ، وحينئــذ اضطلع المسجد بدور إصلاحي  وتربوي وتوجيهي وتثقيفي ، فعــن طريق إقامــــة الصلوات الخمس يجتمع المسلمون في مكان واحد ليتلقوا شحنـات روحية ، ونفحات إيمانية ، فتتوثق بينهم روابط المحبة والأخوة والرحمة .

   كان النبي ( ص ) هو المعلـــم الأول للمسلمين بعد الله سبحــانه وتعالى ، يتولى بنفســــه إصلاح شؤونهم ويؤلف بين قلوبهم على المحبـــــة والأخوة والتسامح والرحمة فيقول : ( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجســــد ، إذا اشتكى منـــه عضو تداعى لــــه ســـائر الجسد بالسهـــر والحمى ) . قال الجاحظ في البيــان والتبيين : ” خطب النبي صلى الله عليه وسلم بعشر كلمــات ، حمد الله وأثنى عليـه ثم قال : ايها الناس إن لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم ، وإن لكــم نهاية فانتهوا إلى نهايتـــكم ، إن المؤمن بين مخافتين : بين عاجـل قد مضى لايدري مالله صانع به ، وبين آجل قـــد بقي لايدري مالله قاضٍ فيه ” . في هذه الكلمات القليلة البليغة يوجز النبي (ص) فلسفة الحياة من خلال التنبيه إلى هذه الثنائية التي يتقلب فيها البشر : الحياة والموت ، الماضي والحاضر ، الدنيا والآخرة ، وتبقى حيــاة الإنسان بينهما رهينة باجتهاده  وعملـــه ، ونظرته الصحيحة إلى الأمور. إن هذه التكاملية بين الحياة والموت والدنيـــا والآخرة رسّخت قناعـــة الإنسان بجدوى الحياة وقيمتها ، بعد أن كانت في عيون الناس قبل الإسلام حياة عبثية تافهة .

   من هنا جاءت المهمة الثانيـة للمسجد الذي تحول إلى مدرســــة ، ومعهد علمي  ، تقام فيه حلقات الدرس والمناظرات ، وتُلقى فيه الخطب والمقالات بل تُطرح فيه المسائل الفلسفية والأدبية والفكرية واللغوية. قال الأستاذ أحمد أمين في كتابه ضحى الإسلام : ” وقد كان المسجد أكبر معهد للدراسة ، فلم تكن المساجد للعبادة وحدهـــا ، ولكن كانت تؤدى فيه أعمـــال مختلفة ، فهو مكان للعبادة ، تُقام فيــه الصلاة ، وتُخطب الخطب ، وكان محكمة للتقاضي والذي يهمنا الآن أنه كان معهدا للدراسة ، بل أكبر معهد فكان مسجد عمرو في مصر ، ومسجد البصــرة ، ومسجد الكوفة ، والحـــرم المكي والمدني ، وغيرها من المساجد تقوم مقام المدارس والجامعات في هذا العصر ” .

 وهكـذا أدى المسجد في عصور الإسلام الزاهرة دوراً أساسياً في الإصلاح والتربية ، والتوجيــه والتعليـــم والتبليغ ، فليس هناك مكــان يتسع لأصناف مختلفة من الناس مثل المسجد ، يجتمع فيه العــالم والجاهل  والغني والفقير والصغير والكبير ، والموظف والتاجر، والزاهد والعابد ، كل هذه الأصناف تجتمع في مكان واحد ، واي مكان هو بيت الله ، فيه تخشع القلوب ، وفيـــه تستكين النفوس والعقول والضمائر .

   ولايخفى على ذي بصر دور المسجد في حركة الإحيــاء العلمي والأدبي والثقافي في العالم العربي ، بداية عصر النهضـة ، والعصر الحديث ، فمنه انطلق دعــــاة الإصلاح لتحرير العقول من الجهل والأمية ، ودعاة التحرير من الاستعمــار والاستعباد والتبعية ، كجمــال الدين الأفغاني ومحمد عبده ،  والكواكبي ، وعبد الحميد بن باديس ، وغيرهــم حيث اتخذو المسجد منبراً

للإصلاح ، بدؤوا بأنفسهم فأصلحوها ، ثم توجهوا إلى الأمــة ناصحين ، إذ لايمكن إصلاح الرعية ، إلا إذا صلح علمـــاؤها . قال الشيخ عبد الحميد بن باديس رحمه الله في إحدى خطبه ووصاياه : ” لن يصلح المسلمــــون حتى يصلح علماؤهم فإن العلماء من الأمة بمثابة القلب إذا صَلُح ، صَلُح الجســد كلــــه” . ولازال المسجـــد يؤدي دوره التوجيهي والإصــلاحي والتثقيفي والتربوي والإعلامي ، ولازال أئمــــــة المساجد يعلمون النـــــاس التسامح والرحمة ، والتعاون ، والصدق والأمانة ، اقتداء بالنبي ( ص ) والصحــابة والسلف الصالح من العلماء ورجال الفكر والثقافة . وبناء على هذه المهمــة الإنسانية والتربويـــة والإصلاحيـة ، يتوجه الإمــــام إلى الحاضر ، فيتناول قضايا المجتمع ، ويبرز الجوانب الإيجابية يثني عليها ، ثم ينبه إلى الأخطاء والتجاوزات في السلوك والعلاقـــات الاجتماعية ، ويبـرز أخطــــارها على المواطن كفرد ، وعلى الناس كجماعة ، ومجتمع ودولة ، ويحاول من حيـن إلى آخر أن يستعين بأمثلة وشواهد من التاريخ ، يستخلص منهــــا الموعظة والعبرة، ثم يعود إلى الحاضر ، وإلى ماهو موجود في واقع الحـــال ، فمن المفيد الموازنة بين الماضي والحاضر ، وبين الدنيا والآخرة .

   إن كلمة طيبـة يقولها إمـــام صادق قادرة على هدايـــة الضالين ، وإرشاد الغاوين ، الذين شغلتهم الدنيا عن الآخرة ، وأغرتهم مقتنيات الحياة الماديــة وأقبلوا يتهافتون عليها بحق ، أو بغير حق .

 

 

التصنيفات : اقلام حرة