وتبقى الحكمة.. يمانية / د. عمران الكبيسي

10 نوفمبر، 2014
108

 

 

في اليمن لا يعرف كمية السلاح الأبيض والأوتوماتيكي الموجود والمتوافر بيد أبناء شعبها إلا من عاش زمنا فيه وخالط أهله، فقد تجد في بيت الأسرة الواحدة عشرة قطع سلاح أوتوماتيكي وأكثر، على عدد الإخوة وما أكثرهم إضافة إلى الجد والأب وأحفاد الأحفاد أحيانا، فالأم اليمنية ولود تتزوج مبكرا وتنجب كل ثلاث سنوات طفلين وربما أربعة توائم، والأب اليمني مزواج مثنى وثلاث ورباع. والسلاح في اليمن جزء أساسي في القيافة الشخصية وليس كماليا، العريس يدخل على زوجته ليلة الزفاف متمنطقا بغدارته وخنجره، وينام اليمني ممدا بجنب رشاشه أو معلقا فوق رأسه، فالسلاح أنيس ورفيق وعلامة زهو ودليل رجولة، ولا يظنن أحد إني أبالغ، فقد تصعد إلى “الدباب” الحافلة الصغير وسيلة النقل المألوفة في المدن، وتجلس وإلى جنبك رجل بلباس مدني ويحمل الرشاش، ثم يصعد آخر بلباس عسكري- شرطي أو مجند- بلا سلاح فتصور المفارقة!

الخوف والخشية في اليمن ليس من كثرة قطع السلاح ولا من انتشاره، وإنما الخشية من المقابلة بالسلاح وجها لوجه فتمتد الاشتباكات بعد الطلقة الأولى، ولكن المعروف عن اليمني أنه اعتاد منذ طفولته التحكم بنفسه وضبطها فلا يلجأ إلى السلاح إلا حينما لا يجد مفرا من استخدامه ودفاعا عن النفس، ومجرد التهديد بالسلاح او إخراج الخنجر من عقابه يحمل صاحبه تبعات مالية وأدبية تفرضها القبائل، ولو كان السلاح الموجود بيد الشعب اليمني موجودا بيد أي شعب آخر لسقط في كل يوم من الضحايا عشرات أضعاف ما يسقط من الضحايا في اليمن في أيام السلم والأمان فما بالك في الأحداث الساخنة، ولقد برهنت الأحداث الأخيرة على صدق ذلك، فلو جرى التمدد الحوثي الذي حصل في اليمن واجتاحوا فيه عدة محافظات بسهولة من دون أن يسقط ضحايا كثر كما كان يتوقع المحللون، مع أي فئة أخرى في العراق أو سوريا أو ليبيا ولبنان وهي دول لم يكن السلاح فيها مشاعا، وما يجري في هذه الدول حاليا من قتل وسفك دماء على كثرته يعد قليلا، لأن السلاح بيد المليشيات والجماعات المسلحة فقط وغالبية الشعب أعزل، فما بالك لو كان السلاح بيد كل فرد من أفراد الشعب لرأينا الدماء تسيل أنهارا فهذه الشعوب لم تعتد حمل السلاح ولا ضبط النفس والتحكم باستخدامه كما اعتاد اليمنيون.  ولا يقدرون نتائج استخدام السلاح وعواقب الطلقة الأولى.

لقد تمدد الحوثيون بحشود كبيرة اجتاحوا المدن وعواصم المحافظات التي استسلمت لهم من دون قتال ومواجهة عن حكمة، وليس عن جبن وضعف، حتى الجيش استسلم وترك لهم سلاحه من دون أن يطلق طلقة واحدة، لأن قادة الفرق والكتائب قبليون يدركون العواقب الوخيمة للمقابلة بالسلاح وجها لوجه، ولو فعلوا لسقط مئات الآلاف بل الملايين وليس العشرات والمئات ضحايا، ولكن الحكمة تبقى يمانية بامتياز، لقد انسحب الإصلاحيون وأنصارهم، وانسحب شيوخ القبائل وأبنائها مع أنهم هوجموا في عقر دورهم، ولديهم العدد والعدة والعزيمة التي لدى الحوثيين، ولكنهم تركوهم ينتشرون بحريتهم ولسان حالهم يقول لنشاهدهم ماذا سيفعل الحوثيون بعد الانتشار؟ وقد أدركوا أنهم مهما تمددوا وانتشروا لن يستطيعوا البقاء طويلا، ولن يجدوا الحاضنة الرءوم لهم، ولن يستطيعوا حكم اليمن كله، وسينسحبون ويولون الأدبار في النهاية من أنفسهم بلا قتال، وهذا ما سيحصل وستبرهن الأيام أن الحكمة يمانية.

 

لقد عاشرت اليمنيين وعرفتهم جيدا، وقلت في الشأن اليمني وتمدد الحوثيين وانتشارهم في أكثر من مقال، ليس بالضرورة من يضحك أولا هو المنتصر،  فنشوة النصر الأولى كثيرا ما تخدع صاحبها كما خدعت الحوثيين فانتشوا بالتمدد والانتشار بمناطق ليس لهم فيها رصيد، وتباهوا وتبختروا وأساءوا إلى الناس بوعي وبلا وعي، نهبوا وسلبوا دور منافسيهم، وأهانوا الجيش بالاستيلاء على ثكناته وأسلحته، مع أنه لم يتعرض لهم، وقلت سيعضون الأصابع ندما، وحسنا فعل الإصلاحيون والقبائل لم يخسروا بالانسحاب من ساحة الصراع، وإنما ربحوا كل شيء، وخلال أسابيع أدرك الحوثيون خطل انتشارهم وخطأ تمددهم، وقد باتوا صيدا سهلا في الكمائن والتفجيرات بعد  أن ارتفعت نبرة الصراع الطائفي وسيجنون في قادم الأيام الخيبة جزاء ما فعلوا في حالتي السلم والقتال، ولا سيما بعد تحرك المجتمع الدولي ضدهم وضد الرئيس السابق الذي تعاون معهم، فلم تعد لهم منزله في نفوس المواطنين، وفقدوا مصداقيتهم في الوسط والجنوب وأجزاء من الشمال، وعلى المستوى الإقليمي والدولي، وكرههم الناس وانكشفت نواياهم، وكثرت سيئاتهم، ونقضهم للعهود والمواثيق والاتفاقيات المبرمة معهم، وإذا استمر عناد الحوثيين وتغولهم وغطرستهم على ما عليه ستأتي الساعة التي سيندمون فيها أكثر فأكثر ولات ساعة مندم!

التصنيفات : اقلام حرة