الفكر الإسلامي الراديكالي ….. نشوء وانتشار / سامي العبودي

16 نوفمبر، 2014
89

 


بقلم رئيس التحرير سامي العبودي


ذكرنا في الجزء الأول من البحث , ان الإسلام السياسي أو الإسلام المتشدد ظهر مع ظهور الفكر الوهابي , واتخذ سياسة العنف والقتال , والتكفير لكافة الاتجاهات الفكرية الدينية المعتدلة , وأعلن عن مشروعه الجهادي التكفيري ضد المدارس الفقهية الإسلامية المعتدلة كافة, وحتى أصبح عدائه الغير متناهي تجاه المدارس العقائدية والفكرية كافة , إلا إن هذا ليس بداية نشوء الإسلام السياسي المتطرف , فمنذ زمن الخلافة الإسلامية وبدايات عصر الدولة الإسلامية , ظهرت بدايات الإسلام السياسي وظهرت معه ظاهرة ( تأويل النص القرآني والأحاديث النبوية الشريفة) بما يتلاءم ومصلحة الجهة الحاكمة آن ذاك .

وتمخضت عن تلك الحقبة أحداث لعلها توصف أحداث مأساوية على اقل تقدير, وضعت بصمتها في تاريخ الإسلام  حتى يومنا هذا , ابتداءً بنفي الصحابي الجليل ( أبو ذر الغفاري ) رضوان الله تعالى عليه إلى الربذة من صحراء الجزيرة العربية حتى مات في منفاه وحيدا طريدا , لا لذنب سوى انه كان يذكر فضائل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام) وأحقيته بقيادة الأمة الإسلامية بحسب النص ووصية الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم), وهذا ما كان عليه أتباع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) والذين لم تنفك عنهم سطوة الحكام ومضايقتهم في تلك الفترة , ولعل حادثة مالك بن نويرة وهو من أهل الدين والصلاح والزهد , وكان قد نال منزلة رفيعة لدى النبي (ص) حتى نصبه وكيلاً عنه في قبض زكاة قومه (بني يربوع) كلها، وتقسيمها على الفقراء، وهذا دليل على ثقته وورعه وصلاحه , وأقدم قائد الجيش الإسلامي (خالد بن الوليد) بقتله وأهل بيته وأبناء قبيلته ومصادرة أموالهم واستباحة ديارهم وانتهاك أعراضهم وحرماتهم , لا لشيء سوى انه رفض إعطاء البيعة إلا لمن هو أهل للبيعة , وذكره لفضل وأحقية أمير المؤمنين (ع) بقيادة الأمة الإسلامية , وذكر ابن كثير في كتابه “البداية والنهاية” في الجزء 6 صفحة 354 (أمر خالد بن الوليد برأسه, رأس مالك بن نويرة ) (فجعله مع حجرين وطبخ على الثلاثة قدرا ، فأكل منها خالد تلك الليلة ليرهب بذلك الأعراب ) , وهكذا أصبحت الأحداث تتكرر الواحدة تلو الأخرى , إذ أصبح مصير المعارضين لسياسة الدولة والقادة السياسيين هو الترهيب  والقتل والتشريد .

 

وتعد الحقبة الأولى لبناء الدولة الإسلامية وبدايات تكوينها, وهي الفترة التي مر بها الإسلام خلال حكم الخلفاء الثلاثة , ساعدت على ظهور وبناء مد متأسلم سياسي جديد يتخذ منهجا مغاير لاسلمة الدولة والمجتمع , واتخاذه الإسلام غطاء لضرب الدولة الإسلامية , وبدعم من يهود شبه الجزيرة العربية والروم , وكان هذا المد المتاسلم الجديد متمثلا في حكم معاوية بن أبي سفيان في الشام .

 

وسرعان ما انشطرت الدولة الإسلامية حتى أصبحت عبارة عن دولتين واحدة تدار من الشام بقيادة اليهود من الروم وشبه الجزيرة العربية متمثلة بمعاوية بن أبي سفيان , والتي اتخذت منهج أسلمة الدولة والمجتمع حسب مفاهيم خاصة بهم , والأخرى تدار من الكوفة وهي جاءت عن طريق شرعي ( النص والإجماع) متمثلة بحكم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) , وسرعان ما شهدت تلك الفترة قتالا شرسا بين الإسلام المعتدل متمثلا بدولة الكوفة , والمتاسلمين المتطرفين والتي تمثلت بمعاوية بن أبي سفيان , ومن بعده يزيد بن معاوية بن أبي سفيان , وكانت تلك المرحلة من اشد المراحل شراسة وقساوة على المسلمين , حيث أصبح الجهاد في سبيل الله هو جهاد ضد الإسلام والمسلمين وليس ضد بلاد الروم والديلم , وأصبحت الفتوحات الإسلامية للبلاد الإسلامية من دون البلاد الخارجة عن الإسلام , وشهدت تلك المرحلة نقل الحروب والاقتتال إلى داخل البلاد الإسلامية , فأصبح الجهاد عبارة عن (جهاد المسلمين ضد المسلمين).

كما شهدت تلك المرحلة ظهور اتجاهين فقهيين , احدهما يتبع النص القرآني وأحاديث ووصايا الرسول الكريم محمد (ص) , وهؤلاء ممن تمسكوا بولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) وهم إتباع دولة الكوفة , وكانوا يرون أحقيته (ع) بقيادة الأمة الإسلامية , وهم يسمون بالشيعة .

 

والاتجاه الأخر اتبع التأويل في النص القرآني وسنة النبي (ص) وإتباع طريق الاجتهاد , وأتباع هذا الاتجاه لم يقتصروا على سنة النبي (ص) وسنة الصحابة بل تعدوها إلى التابعين فجعلوا أقوالهم وأفعالهم من السنة , ولعل الأدهى هو اعتمادهم على سنة تابع التابعي وإلحاقه بالسنة الشريفة .

 

وشهدت هذه المرحلة تدوين لأحاديث موضوعة لاحصر لها , والدس والتدليس بما يخص الشريعة , واسلمة الدولة بما يتماشى وحماية المصالح السياسية لأصحاب هذا المد , فنسبت العديد من الروايات والأحاديث المدلسة عن رسول الله (ص) , وشراء الذمم ورواة الحديث لوضع الأحاديث المدسوسة , وكان الغرض منها , تسييس الإسلام وجعله يصب بمصالح المتاسلمين من اليهود والروم والترك والديلم , متمثلة بدولة معاوية ويزيد بن معاوية بن أبي سفيان , حتى إن الأمر بلغ مبلغا لايمكن التغاضي والسكوت عنه , مما حدا بسبط النبي الأعظم الإمام الحسين (ع) بالنهوض والوقوف أمام هذا المد المتاسلم وكبح جماحه قبل أن تتفشى ظاهرة تسييس  الدين والمجتمع , ونتجت عنها واقعة (الطف) العظيمة ومنهم من يسميها بواقعة (كربلاء) , وهي واقعة معروفة لدى القاصي والداني على حد سواء , ثم تلتها واقعة الحرة وتهديم الكعبة المكرمة وقتل الصحابة والتابعين من أهل مكة والمدينة وسبي نسائهم واغتصابهن على يد جيش الدولة المتاسلمة .

 

واستمر الحال طيلة فترة حكم بني أمية , حتى انتقاله إلى بني العباس , وهي الفترة التي تسمى (بداية الدولة العباسية) , والتي لم تكن بأقل تشددا وراديكالية  من الدولة الأموية , إلا إن ضعف الدولة الأموية في أواخر أيامها حتى سقوطها وبداية قيام الدولة العباسية الجديدة وعدم قدرتها من الإمساك بمفاصل الدولة لكونها فتية ووليدة لساعتها , فسح المجال أمام الفقهاء ورواة الحديث من كتابة المؤلفات الفقهية وظهور الحلقات الدراسية وانتشار المدارس الدينية ومن أهم المدارس في تلك الحقبة هي ( مدرسة مكة , المدينة , البصرة, الكوفة , بغداد) وظهور الاتجاهات الفكرية والفلسفية وترجمة النصوص اليونانية إلى العربية , بالإضافة إلى وجود الكم الهائل من الرواسب العقائدية والدس والتدليس بالأحاديث النبوية الشريفة , ومشكلة خلق القران وقدمه , ومشكلة الظاهر والباطن للقران , والناسخ والمنسوخ , والمحكم والمتشابه , و……… كل ذلك ساعد على ظهور العديد من المدارس الفقهية المختلفة والتي تختلف مع المدارس الأخرى بطرائق استخراج الحكم الفقهي والفتوى , فمنهم من يفتي بالقياس , ومنهم من يفتي بالرأي , ومنهم يفتي بالاستحسان , ومنهم من يفتي بالإجماع , ولعل الأمر ازداد سوءاً عندما أصبح التكفير رائجاً ومستحسن لدى البعض من الفرق والطوائف , ولعل الخوارج من أهم الفرق التي اعتمدت على تكفير المذاهب الفقهية كافة , والمدارس الدينية والتي اتسمت منذ يومها الأول بالغلو والتشدد , والتمسك بفهمها للإسلام أكثر من غيرها , وتكفير كل من يحيد عن فهمهم للإسلام , فضلاً عن وجود المتطرفين منهم منذ بدايتهم وحتى ألان , ولعل نظرية (سيد قطب) والتي تسمى بنظرية ( الحاكمية) والتي مفادها ” أن البشر لايحكمون البشر , وإنما يحكمهم الله ” هي مستقاة من أفكارهم الفاسدة والتي طالما جعلتهم في موقع المقاطعة والعداء الدائم مع الحكام , إلا أنهم أصبحوا أقلية , وتعتبر الاباضية هي احد اكبر الفرق لديهم اليوم.

 

أما الفرقة الأخرى والتي أصبحت اشد خطراً على الإسلام والمسلمين وهم أتباع

( ابن تيمية وابن قيم الجوزية) واللذان يعتمدان في مسائلهم الفقهية على مذهب (احمد بن حنبل) مؤسس المذهب الحنبلي وصاحب كتاب (المسند) ” مسند ابن حنبل” والذي يحتوي على أكثر من أربعة آلاف حديث قام بجمعها وانتخابها أحمد بن حنبل من بين أكثر من سبعمائة وخمسين ألف حديث، والتي كان يهدف منها أن تكون مرجعا يرجع إليه المسلمين عند اختلافهم في الأحاديث المروية عن النبي (ص) , وهذا مما لايمكن الركون إليه لكثرة الأحاديث الواردة فيه , وأتباع هذا الاتجاه هم أتباع الحديث فقط وسميت مدرستهم بمدرسة الحديث فيما بعد , فلا يفسحون المجال للعقل بالتفكر والبحث عن  ماهية الحديث وصحته ومدى وثاقته .

 

ويعتبر ( ابن تيمية وابن قيم الجوزية)  امتداد لهذه المدرسة ومن المجددين لها , ولعلهم يتهمون بأنهم من ابرز المشبهة والمجسمة , ولعل الروايات التي تروى عن طريقهم تدل على تجسيمهم للذات المقدسة , وإنها قريبة جدا من الروايات المذكورة في الكتب الإسرائيلية .

يقول ابن تيمية في كتابه ( بيان تلبيس الجهمية) , ( إذا كان الله كذلك فليس له ذكرُ بذم في الكتاب والسنة, ولا كلام احد من الصحابة والتابعين …) أي وصف لله  , ويقول في كتابه في الصفحة 101  ( إن الموصوف بهذه الصفات لا يكون إلا جسماً فالله تعالى جسم لا كالأجسام).

 

أما ابن القيم الجوي فيذكر في كتابه ( اجتماع الجيوش الإسلامية ) صفحة 109 ( عن أبي هريرة عن النبي (ص) قال : إن الله عز وجل ينزل إلى السماء الدنيا وله في كل سماء كرسي, فإذا نزل إلى السماء الدنيا جلس على كرسيه , ثم يقول من ذا…………… فإذا كان عند الصبح ارتفع فجلس على كرسيه)

 

 

نحاول ان نركز خلال الاجزاء القادمة على الافكار والروايات التي يستقي منها اتباع هذا المد والذي انبعث منه الفكر الوهابي والسلفي والتيارات التي تعاقبته والتي تمثل التهديد والخطر الكبير على بناء الاسلام والمسلمين ومن الذين يقفون خلف هذا المد , ودورهم السلبي في الاسلام ومنهجهم في القتل والقتال وما مدى خدمتهم وارتباطهم بالدول الاستكبارية والتي لاتنفك عن الكشف عن عدائها للاسلام والمسلمين ومخططاتهم الخبيثة لهدم اركان الدولة الاسلامية وارتباطهم الوثيق باليهودية والماسونية, وما هي الادوات التي يستعملونها لاستقطاب الشباب المسلمين وغير المسلمين وانخراطهم بالتنظيمات الارهابية وزرع الافكار الفاسدة في رؤسهم .

التصنيفات : اقلام حرة