بيت المدى يحتفي بمئوية شيخ المعماريين..محمد مكية.. مهندس بغداد وفنان معالمها الإبداعية

6 ديسمبر، 2014
28
احتفى بيت المدى للثقافة والفنون امس الجمعة بالمعماري والفنان التشكيلي محمد مكية بمناسبة مرور مائة عام على ميلاده، وذلك ضمن منهاجه الأسبوعي لاستذكار الرموز الوطنية والثقافية والفنية والأدبية. وأشار مقدم الجلسة الناقد الدكتور جواد الزيدي”ان للمحتفى به سمات إبداعية الى جانب أسماء كثيرة عملت برؤى تشكيلية حضارية تجسمت فيها معالم الفن والإبداع التراثي وملامح انتمائهم للجذور الرافدينية الأموية والعباسية من دون تخطي شيء من هذه الموروثات.”مبيناً ان من أعمال مكية جامع الخلفاء وقصر الأميرات وبيت فاضل الجمالي والجامع الكبير في الكويت وبوابة مدينة البحرين وغيرها.
 
 
ذكرياتي مع مكية
المعماري هشام المدفعي أوضح ان حديثه سيتضمن ذكرياته مع مكية منذ حزيران 1950. وقال: التقيته لأول مرة بعد تخرجي من كلية الهندسة طالباً منه وظيفة، بصفته رئيساً لدائرة البلديات. بعدها كلفته والدتي بوضع تصميم لدارنا في منطقة العلوية ببغداد، فصمم لنا داراً على طراز معماري متميز.. غادر العراق في سبعينات القرن الماضي الى الخليج العربي حيث ابدع في إنجاز العديد من الأعمال في الكويت والبحرين ومسقط. ثم التقيته في لندن أواخر التسعينات بكاليري الكوفة الذي أسسه للعراقيين من المعارضين والمفكرين، وفي حينها اعلمني انه انجز مسودة مشروع”الف صورة وصورة”وكان يرغب في أن توفد له الحكومة العراقية معماريتين لمساعدته في إنجاز المشروع، فاقترحت عليه ان تعمل معه وجدان ماهر وميسون الدملوجي. وتابع: ثم في شتاء 2012 رغبت في لقائه، وعلى مائدة العشاء التقيت به في لندن بصحبة رشيد الخيون وابراهيم الشيخ نوري. مبيناً ان مكية كُرم من قبل الملكة البريطانية بتهنئة موقعة من قبلها بمناسبة بلوغه المائة عام ودعته لزيارة قصر بكنكهام بحسب تقليد يعمل به مع المواطنين البريطانيين عند بلوغهم هذا العمر. وقال: مكية من الشخصيات العراقية العالمية التي تستحق التكريم من العراقيين جميعاً لما قدمه من فكر فلسفي معماري ارتقى ببغداد الى مصاف المدن المتقدمة والحفاظ على تاريخها وتراثها.
 
ديوان الكوفة
فيما لفت الباحث والإعلامي حميد الكفائي الى انه من الصعب عليه ان يلم بحياة المحتفى به المعماري والبروفسور محمد مكية خاصة على مدى مئة عام من الإنجازات الكبيرة ليس في العراق فحسب وانما على المستويين العربي والعالمي. وقال: لذلك لن أتحدث عن تاريخه المهني في مجال العمارة، وانما سأتحدث باعتباري صديق له ولنجله الدكتور كنعان مكية. مشيراً الى نه أسس ديوان الكوفة وكان يعد صرحاً جمع العراقيين في بريطانيا ووحدهم من خلال ندواته الثقافية الأسبوعية والتي كرسها للمعارض الفنية وسواها من المحاضرات التي يتحدث فيها كبار الأدباء والفنانين والمثقفين على مدى عشرين عاماً ما بين 86 ـ 2006. وقال: ربما كنت محظوظاً حين حضرت اللقاء الأول والأخير عام 2006 قبل ان يباع هذا المكان بعد ان كبُر الدكتور مكية ولم يعد قادراً على متابعة شؤونه الثقافية خاصة بعد سفر الدكتور كنعان الى أميركا للتدريس.
 
خواطر السنين
فيما أشار الدكتور معتز عناد غزوان الى انه تعرف على الأستاذ مكية من خلال علاقة والده الناقد المعروف عناد غزوان به إذ كان يعمل معه في جمعية الكوفة عام 61. وقال: كانت هذه الجمعية تقيم ندوات يحضرها جمع غفير من العلماء والأدباء والمثقفين بينهم الجواهري. مشيراً الى ان والده كتب جميع ذكرياته مع مكية في كتاب بعنوان”خواطر السنين”والذي حرره الأستاذ رشيد الخيون. وتابع: استطعت ان اطلع على ملف قديم لإنشاء مشروع جامعة الكوفة، والذي وُئد لأسباب كثيرة آنذاك ومنها سياسية أثرت على نفسية الدكتور مكية في نهاية الستينات من القرن الماضي. لافتاً الى ان محبته له زادت حين التقى به في بغداد عام 2005 أثناء زيارة مكية لجامعة بغداد كلية الهندسة. وقال: ذهبت الى هناك وجرى بيننا حديث طويل وجميل وقد أدهشتني ذاكرته، فقد تذكر الجميع والأيام القديمة ومنها جمعية الكوفة. وذكر الأسباب التي حالت دون إنشاء جامعة الكوفة. مبيناً انه جمع تلك المعلومات في كتاب أصدره تحت عنوان”سومرية الوطن ـ قراءة فنية في منجز محمد مكية”. موضحاً ان عنوان الكتاب هو مصطلح اطلقه مكية في محاضرته لكون بغداد ومعها بقية المحافظات صارت مدمرة وليس فيها جمالية، وقد شوهت ملامح معالمها، وليس أمامنا إلا العودة الى الجذور والتراث والى قيمة الهوية الوطنية.
 
تراثنا بناءٌ وهَدم
من جانبه، تحدث الفنان ابراهيم رشيد عن الفضاء التشكيلي في منجزات مكية مشيراً الى ان مائة عام من إبداع المعماري مكية في بغداد كان في مائة عام من عزلتها، وهذه هي الكارثة. موضحاً: اننا نمتلك تراثاً كبيراً ولكن في الوقت نفسه نمتلك تاريخاً اسهم بشكل او بآخر في تدمير المدينة. مبينا انه تراث بني على أساس ان يبني الانسان ثم يهدم ما بناه. وقال: أتذكر خلال الثمانينات كان هناك لقاء مع مجموعة من المهتمين وبيننا الأستاذ المدفعي، وعندها طلب منا احد المسؤولين ان نتحدث عن بغداد وعمارتها. عندها أجاب الأستاذ المدفعي بعدم وجود عمارة. مبينا ان النخبة من المبدعين عاشت في عزلة مفادها انها لم تستطع لحد الآن ان تبني الأساس لمدينة بغداد فبقيت مدينة متخيرة.
 
لمحات من حياته
وقدم الباحث رفعت مرهون الصفار لمحات من سيرة وحياة المحتفى به موضحاً انه ولد في بغداد عام 1914، ودخل المدرسة الهاشمية الابتدائية عام 22 وكان متفوقاً دراسته حتى انهى الثانوية، ثم سافر في بعثة خارج العراق لدراسة الهندسة المعمارية في انكلترا، وبعد خمس سنوات كانت أطروحته التي حصل عليها بامتياز”تصميم مركز ليفربول”ولم يتوقف طموحه حتى حصل على الدكتوراه وكانت أطروحته”البحر والطرق في حوض البحر الأبيض المتوسط جنوبه وشرقه”حيث تلتقي حضارتا الشرق والغرب.. وقال: كانت له لقاءات مع أدباء ومعماريين ورجال سياسة وفلاسفة مستفيداً من كل ذلك، وبعد تخرجه في عام 46 اخذ يتابع ويدرس ويتجول ليشفع دراسته المعمارية بما يراه من عمارة وآثار قديمة.. مشيراً الى انه عمل على مدى ثلاث عشرة سنة مع الاسطوات البنائين بعد عودته الى العراق حتى نضجت لديه فكرة الهندسة المعمارية فكان اول رئيس للمهندسين يمتلك موهبة فنية تحمل معاني الاقتصاد والحضارة والاجتماع والبيئة الجغرافية والقيم المعنوية والانسانية وليس مجرد سطوح ومساحات. لافتاً الى ذلك جعله في مكانة مرموقة حتى استقال سنة 1971 وتفرغ للعمل خارج العراق لتنفيذ غرفة تجارة البحرين.
الدكتور مكية له فضل على العراقيين جميعا من خلال أعماله العمرانية والثقافية في العراق وخارجه. في العراق صمم العديد من المباني والمساجد المهمة في بغداد، وكاد مشروعه الرائد، جامعة الكوفة أن يحقق نقلة نوعية في مجال الثقافة والتعليم لكن النظام السابق أوقفه لأسباب سياسية.
 
مكية مع الزعيم
فيما بيّن الباحث عبد الوهاب الحمادي ان الدكتور مكية كان رئيساً للمهندسين في زمن الزعيم عبد الكريم قاسم عام 59 وقد وقف معه على السدة الشرقية التي كانت تسمى سدة ناظم باشا لدرء الفيضانات عن بغداد، ينظران الى آلاف العائلات التي تسكن في الصرائف والأكواخ من دون ماء ولا كهرباء ولا مجارٍ. وقال: حدث ذلك حين طلبت شقيقة الزعيم داراً لكونها لا تسطيع دفع الإيجار، فأتى بها الى هذا المكان قائلاً”انظري يا شقيقتي الى هؤلاء الفقراء متى ما حصلوا على دار سكن، سيكون لك دار”. مشيراً الى انها لم تمض اشهر حتى شيدت في ذلك المكان مدينة الثورة بشوارعها ومؤسساتها التربوية والصحية اضافة الى الماء الصالح للشرب والصرف الصحي وبقية الأمور الخدمية. مبينا انها شيدث بإشراف المهندس المعماري محمد مكية.
 
بين الأمس واليوم
فيما أوضح المعماري موفق الطائي ان مكية يعد واحداً من المعماريين الذين عملوا بوطنية وإخلاص وقدموا إنجازات كبيرة وضخمة فاقت زمنها بستين عاماً بحسب وصفه. مشيراً الى الإهمال الذي تعاني منه بغداد الآن رغم كثرة مهندسيها ومعماريها. منوهاً الى انهم كانوا يعملون من دون توجيه او مراقبة معتمدين على كفاءتهم وخبرتهم ومواهبهم. وقال: نحن حملنا الراية بعد محمد مكية، الذي استقال في بداية السبعينات، واتخذناه منهجاً في جميع تفاصيل حياتنا العملية. وتساءل كم معماريا يمارس اليوم عملية معمارية؟. لافتا الى ان جميع أصحاب القرار ليسوا معماريين وهذه مشكلتنا.