حَيْرَة ساحة التحرير وتَشوّش نصب الحريّة ..!

26 فبراير، 2016
17

يتخبّط البلد في دوّامة أزمة لا تنفكّ تتوالد، وتُصبح أكثر استعصاءً، مع سعي القوى الحاكمة لإدارتها بأدوات الأزمة نفسها . ولا يكفي البلد المكظوم، ما سبّبته المنظومة السياسية المتفسّخة وما تسبّبه حتى اليوم من ويلات تكاد تنتهي إلى وضعنا على حافة الإفلاس، ليزيده قادة “العملية السياسية ” بمختلف مشاربهم من إنهاكٍ لقواه وعبثٍ بمساراته، حتى حينما تلوح في الأفق بادرة تحوّلٍ ولو طفيف  أو مجرد محاولة تتعثر تحت ثقل الإحساس بالعجز من تجاوز الحواجز التي تستحكم بفراملها القيادة الأسيرة هي الأخرى لمنظومتها وقيمها الطائفية ومصالحها الضيّقة.

صار واضحاً أنّ السيد العبادي بعد سنة ونصف السنة من وجوده على رأس السلطة أدرك أن الإصلاح، ناهيك عن التغيير الجذري، غير ممكن، بل مستعصٍ في إطار العملية السياسية القائمة المبنية على المحاصصة وتبادل المغانم والمصالح. ولو أصغى بانتباه لصوت الحراك الاحتجاجي  والمطلبي، على ما كان عليه من تشوشٍ وضجيجٍ وتخبّط، لتجنّب ضياع وقتٍ ثمين وفرصة نادرة  وأجواء مؤاتية، تضافرت فيه العوامل الداخلية والخارجية  لدعم أيّ إجراءٍ إصلاحيٍ حقيقي، والوقوف ضد محاولات إجهاض مساعيه وتوجهاته، فالشارع المحتقن لم يكتفِ برفع شعارات التأييد لخطواته الاولى فحسب، وإنما خرج من تحفّظه فهتف باسمه، وهو ما لم يفعله بوحي من إرادته الحرّة، مذ حمل سيارة  عبد الكريم قاسم في شارع الرشيد، وتفنّن في صياغة الهتافات له. والمرجعية العليا في النجف منحته دعماً سخياً عبر خطب الجمعة في كربلاء. والمجتمع الدولي والإقليمي بدا مطمئناً إلى أنه جادٌّ في تحقيق ما التزم به من وعودٍ برنامجية وهو يؤدي القسم في مجلس النواب.
وفي تلك الأجواء، أظهرت الكتل والأحزاب والقيادات المعارضة أو المتحفظة أو المترددة في دعم المسار الإصلاحي الذي أعلنه العبادي، انصياعاً ورضوخاً، مع ما رافق ذلك من قلقٍ وخوفٍ من استهداف مراكز القوى الضالعة في الفساد والمتورطة في ما تعرّض له العراق من تدهورٍ وفوضى، ومن تفكّكٍ وتمزيقٍ لنسيج المجتمع، وهزيمة أمام الإرهاب الداعشي التكفيري.
كانت تلك البيئة المناسبة للتقدم خطوة جريئة باتجاه تفكيك منظومة المحاصصة والانتقال إلى حكومة تستقطب الكفاءات الوطنية القادرة حقاً على إنقاذ البلاد من إسار الأزمات التي تنتجها المنظومة الطائفية.
وفي تلك البيئة المتحفّزة جماهيرياً ووطنياً، كان من الضروري الإقدام على تطهير جهاز الدولة، ونزع السلاح غير المشروع من التنظيمات المسلّحة الميليشياوية، والشروع ببناء القوات المسلّحة على أساس عقيدة وطنية عابرة للطوائف والأحزاب بالتمهيد لها بإقرار التجنيد الإلزامي. وما وفّرته تلك البيئة، وضيّعه السيد العبادي، منطلقاتٍ لاصطفافٍ وطني واسع، يعتمد إجراء فرزٍ داخل قوى العملية السياسية وخارجها على أساس الانحياز لنهج برنامجي شاملٍ وواضح للإصلاح والتغيير، يفكّك منظومة الطوائف ويكرّس حياة حزبية ديمقراطية متحرّرة من تابوات التحريم والتكفير والإقصاء واحتكار السلطة .
وفي خيارٍ بديل، ظلّ السيد العبادي غريقَ وهمٍ ذاتي بأنّ مجرّد إعلان الإصلاح وإقرار حزمٍ متتالية، يكفي لإصلاح ذات البين ووضع كتلته والقوى الأخرى على المسارات التي يحدّدها. لم يجد، وهو يعيد التفكير، الضرورة لإيجاد حاضنة سياسية وشعبية لبرنامجه وتوجّهاته، ولم يرَ أهمية في ما يُقال عن حاجةٍ لفريق عملٍ سياسيٍ يتمتع بالمصداقية والخبرة والقدرة على التأثير لمشاركته في تحديد الأولويات وإنضاج الأفكار وما تتطلبه من أدواتٍ ووسائل. وغاب عنه أنّ برنامجاً طموحاً قادراً على انتشال البلاد مما هي فيه من تفكّكٍ وخراب وفسادٍ وتدهورٍ، وعلى مجابهة  التحديات والمخاطر التي تتهدّد وجودها، لا يمكن أن تتحقق وأن تمرّ دون تعبئة قوىً أمضى إرادةً وأشدَّ عزيمةً وأكثر استعداداً وجسارة من المتربّصين بها.
ولأنه اختار الانطواء وعزل مشروعه عن بيئة حواضنها، صار أسير قادة كتلته قبل غيرها !
ألم يكن ممكناً الشروع بتنفيذ ما وعد به من إنهاء وتصفية كل المظاهر السلبية التي رافقت الحكومة السابقة، التي وجدت ترجمتها في التعيينات غير الدستورية في كل مرافق الدولة والقوات المسلحة وما تسمّى بالهيئات “المستقلّة” تحت العنوان الرديء “وو” .؟! وما الذي كان يعيق إرادته عن استهداف مراكز الفساد والفاسدين ووضع حدٍّ لتأثيراتهم التي أنهكت خزينة الدولة وجرّدت العراقيين من بقية أملٍ ومساحةٍ للتطلُّع والتفاؤل؟
ما الذي قيّد إرادته باعتماد خبراتٍ منزّهة عن الغرض لكي لا يجد نفسه في مواجهة رغباتٍ ونزعات استئثار تحت لافتة إصلاحٍ جذري بأدوات تحتاج هي ذاتها إلى تأكيد اعتبار لإمكانيتها في تقرير ما ينبغي أن تسير عليه البلاد؟
ليس العبادي وحده لا يرى أبعد من الدائرة الضيقة من حوله لتُعينه على الخروج من دائرة الاستعصاءات، بل هذا هو ديدن كلّ زعماء العملية السياسية “منتهية الصلاحية” ممن يتصدّون للإصلاح، فلا يجدون من يرسم لهم خارطة طريقٍ، غير الدائرة الأضيق من حولهم، فتأتي الخارطة مرسومة على رمل الأوهام والتصوّرات الضيّقة التي تحتاج إلى تقويم.
جدارية جواد سليم، برمزيتها للحريّة، تنكمش على نفسها وهي تتابع أمواجاً من الإرادات المتدافعة التي تمرّ من تحتها وتبدو عليها الحيرة والإنهاك. ربما لأنها لم تتحرّربعد من خوفها، ولم تستعدْ طاقتها ووهج وعيها، لتحدّد هي، خارج أطر أُمراء الطوائف وزعمائها، ما تريد من خياراتٍ مستقبلية ومن تطوّر واسترجاعٍ أصيلٍ للوعي التاريخيّ.