وقفة أمام مخاوف الأحزاب الشيعية من "انقياد" الشارع لنفوذ الصدر

4 مارس، 2016
16

تتواصل التظاهرات الحاشدة للمطالبة بالإصلاح، وإجراء تغيير وزاري شامل، للكابينة الحكومية الحالية، ببديلٍ تكنوقراطي “غير حزبي”. ورغم التأكيدات المتكررة على أنّ التظاهرات لا تخضع لأجندة حزبية، وليس الهدف منها فرض وجهة نظر حزبية ضيقة عليها، أو يُراد بها إزاحة حزبٍ حاكم ليحلّ مكانه حزبٌ آخر، فإن واقع الحال يؤكد بوضوح أن التيار الصدري هو،هذه الأيام، من يقود الحركة الرئيسة في الشارع وفي كواليس السياسة، بكلّ تفاصيلها، من دعوة للتظاهر، ومن تحديد شعاراتها، ومن رسم مواقعها وصياغة خطابها وأهدافها النهائية.

ولا ريب في أنّ الحركة بوجهتها الأساسية تساير وتحاكي ما يريده الحراك المدني وتتعاطف معها الأوساط الشعبية بشرائحها الفقيرة والمهمّشة وسائر العراقيين الأكثر تضرراً من الفساد والمنظومة المحاصصية الطائفية والحزبية البغيضة.
وغالبية هذه الشرائح “مقصيّة ” في العشوائيات وبيوت الصفيح والمدن الطرفية المهمّشة، المُعدمة من أي التفاتة خدمية أو أمنية أو إنسانية من “حكومتها” التي تعتلي كراسي السلطة باسمها وتدّعي الحكم بإرادتها “الانتخابية”.
وبغضّ النظر عن الظروف التاريخية والعوامل المكوّنة، فإن هذه المدن والمقصيات والمهمشات الفقيرة صارت تخضع لنفوذ التيار الصدري وبعض مسايريه أو المتآلفين معه منذ سقوط نظام الاستبداد البعثي.
وما ينبغي الانطلاق منه في أي تشريحٍ أو تحليلٍ لظاهرة التيار الصدري وتغلغل نفوذه في هذه المدن والمناطق والعشوائيات، هو تبنّيه المبكّر لشعار المظلومية ” الاجتماعية” الذي جرى تكريسه في وعي الجموع كـ ” مظلومية مذهبية ” في ظل الأنظمة التي تعاقبت على الحكم منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة، باستثناء مرحلة ما بعد ثورة ١٤ تموز، حيث أولاها الزعيم عبد الكريم قاسم عناية فائقة، وأكرمها ببناء مدنها وإعادة الاعتبار لمواطنيّتها كقيمة غير قابلة للتجاوز. ومنذ ٩ نيسان ٢٠٠٣ حمل همّها الاجتماعي – المذهبي التيار الصدري، وأصبح منصّة حضورها السياسي. وخلال السنوات التي تعاقبت فيها حكومات “العراق الجديد”على سدّة السلطة السياسية، تمكّن السيد الصدر أن يكرّس نفوذه ويعالج في الوقت المناسب بأساليب عُرف بها، ما كان يتعرّض له التيار من تصدّعاتٍ سببها فساد وزرائه أو بعض قادته، أو خروج وانقسام البعض عليه.
إنّ إهمال تلك المناطق الصدرية من قبل منافسي الصدر في التحالف الوطني الشيعي، الذين أهملو في واقع الحال حتى مدنهم ومناطق نفوذهم أيضاً من التطور حيث لم يكن ممكناً الجمع بين فساد ذمة قياداتها وتأمين الموارد للإعمار والخدمات لها، جعل أنصار التيار أكثر انشداداً إلى قيادة الصدر، وليس كما يُقال بأن ذلك يرتبط بتخلّفهم الاجتماعي والثقافي أو الأُميّة الشائعة في صفوفهم، وفي هذا أيضاً يظهر جانبٌ آخر من المظلومية والتهميش اللذين تعرضت لهما مناطق نفوذ التيار الصدري، وأزيد من ذلك تفشي البطالة في صفوف سكانها وانعدام الاهتمام بتوفير الحدود الدنيا من الخدمات، وتحولها الى أهدافٍ دائمة للإرهاب التكفيري.
ويتكرر هذا المشهد الصدري في كل المحافظات والمدن والقصبات، حيث يتغلغل التيار الصدري. ولا بد من التأكيد على أن تصدي السيد الصدر في الوقت المناسب لمعالجة العوامل والأسباب التي كان من الممكن تضييق الخناق عليه وتياره وإحكام العزلة عليهما، من فساد بعض قياداته وتعديات بعض كوادره على المواطنين، أو غير ذلك من الممارسات، كان ضماناً وكفالةً لتكريس حضوره الفاعل في المشهد السياسي. وقد تكون جوانب ظاهرة مما بدا تطوراً في نهجه أو ميوله وطروحاته، سبباً في ما ينعكس جلياً بتحوّله الى تبنّي شعار الحراك المدني والانحياز إلى مطالب جماهيره.
إنّ هيمنة التيار على الحراك الجماهيري الداعي إلى الإصلاح في الشارع، حقيقة معاشة. وليست لـ”التنظير” المجرد حول أسباب الظاهرة والتباساتها التاريخية من معنى أو تأثير. إنها ببساطة ووضوح تجسيد لتوازن قوى في المجتمع وفي الحياة السياسية في ظل منظومة الفساد والمحاصصة الطائفية، يجب أن تؤخذ بنظر الاعتبار، وأن يجري التعامل معها على أساس القوانين الموضوعية المكونة لها، وأخذها كظاهرة تخضع للتغيير والتحول من دون أوهامٍ أو مبالغاتٍ أو ركونٍ للتمنيات، لأنّ ذلك من شأنه الإضرار بوجهة تطور الظاهرة والعبث بسياقاتها الذاتية. فليس من الحكمة أو إحكام العقل التعامل مع الظاهرة خارج أرضيتها وأطرها المكونة، إذ أنّ تطورها لا يمكن أن يخرج عن مسلّماتها ومضامينها العقائدية. ويكفي الاطمئنان الى نزوعها التدريجي نحو الانفتاح على إشاعة القيم الديمقراطية وما تفرضه من حريات هامة وعامة، واحترامها للتنوع وقبول الآخر. وسيكون لانحيازها النظري والعملي الى بناء تجربة دولة مدنية ديمقراطية، وانفتاحها على القيم والمبادئ الإنسانية والتخلي عن التابوات والتحريم المطلق، تقدماً انعطافياً يحسب لها وإمكاناتها في المجتمع والحياة السياسية.
وعلى قوى التحالف الشيعي والأطراف الأخرى التيقّن من أنّ السيد الصدر وتياره، وهو يقود التظاهرات الجماهيرية المطالبة بالإصلاح، سيكرس نفوذه وسيفرض برنامجه السياسي وهيمنته على وجهة تطور العراق ومساراته اللاحقة وفقاً لرؤيته وليس لرؤية أي طرف آخر سواءً كان من أمراء الطوائف أو من التيار المدني.
ومن العقلانية أن يتيقّن الجميع بأن ما تعمل لخلق بيئته السياسية التظاهرات الصاخبة، إنما هو تيار شعبويٌّ يتناغم مع قيادتها، وهذا حقٌ مشروع لمن يكون انقياد الشارع والجمهور لنفوذه ويتصدى هو لتعبئته.
الفرصة المتاحة أمام التحالف الشيعي الحاكم لتبديد مخاوفه وقلقه، هو ببساطة الرضوخ لإرادة الأغلبية التي لم تخرج الى الشوارع بعد، والتي لا يمكن اعتبارها جزءاً من التيار الصدري أو موالية له، ويتطلب ذلك الاستفادة من تجربة الإسلام السياسي التونسي الذي كان يمسك بمقاليد الحكم في البلاد، لكنّه نزل عند مطلب الشعب لتفكيك منظومة سلطته!
على الكتل المحكومة بمنظومة الفساد الطائفي ومحاصصاتها أن تقتنع بأنها عاجزة عن مواصلة تشبّثها بهذا المركب المتصدّع، إذا كانت تريد أن تظلّ من بين اللاعبين وفقاً للنظام الديمقراطي في تأسيس عراقٍ جديدٍ وواعد.