العقل والدين.. في مسألة الإلحاد؟

29 يناير، 2021
1640

د. ريكان ابراهيم

لقد صنعَ العقل البشري ديناً كما صنعَ الدين عقلاً. هذا ما حصل عبر مسيرة الإنسان الطويلة إلى أن التقى العقل والدين في محطةٍ واحدةٍ أو حقيقةٍ واحدة هي وجود الله واحداً لا مُتعدداً وشاملاً لا محدداً.

ونحاول الآن أن نفحص الدين (الوسيلة إلى الله) كما حاول العقل أن يصنعه. عندما نقول أن العقلَ صنع ديناً، فمعنى ذلك أن هذا الدين هو مُعطى عقلي أو فاعلية عقلية (Mental activity). وكل فاعلية عقلية لا تعدو كونها وسيلة، كما هو الحال مع اللغة التي هي فاعلية عقلية يتخذها هذا العقل للتواصل والوصول إلى غاية. إن غاية (اللغة، الوسيلة) هي تحقيق التواصل الإجتماعي، بينما يقوم الدين الذي أوجده العقل البشري وسيلةً غايتها الوصول إلى الله.

أ‌- إنسان بعقل ← بوسيلة اللغة ← تواصل إجتماعي مع مجتمع.

ب‌-  إنسان بعقل ← بوسيلة الدين ← الوصول إلى إله.

وكل وسيلة تحمل جانبين فيها: الجانب العملي والجانب النظري. والجانب العملي هو المحسوس الملموس بينما النظري هو الذي يمكن تصورُه لكنه ليس بالضرورة ممكناً أن يتحقق. لقد كان الإنسان قديماً يميل إلى تصديق المشاهدة والميل إلى الجانب العملي أكثر من ميلهِ إلى الجانب النظري وفيه التنظيرات، لذلك أصبح الإنسان كائناً طقوسياً يحاول بالطقوس الوصول إلى الماهية. ولازال الإنسان المعاصر ميالاً إلى المختبر الذي يُقدم له نتائج التجربة. إن الطقوس ممارسات سلوكية تملك قدرة إرجاعية إلى أفكاره (Bio Feed Back)، ومركز هذه الأفكار هو الدماغ.

تبرز لدينا في الإنسان الباحث عن ربِهِ آليتان: آلية الدفاع (Motive) وآلية الحافز (incentive). ويقف وراء الدافع عاملان: حُب الفضول في إكتشاف الشيء والخوف من المصير. الحافز هو وجود ظاهرة المخلوقات التي تَحث الإنسان على إكتشافها وإكتشاف مُوجدها.

وفي علم النفس يرتبط الحافز بالدافع إرتباطاً كبيراً، فكلما كان الحافز كبيراً، ضخماً، مثيراً، دعا إلى وجود دافع كبير ضخم مستثار. أمام هذه المراوحة بين الدافع والحافز حاول الإنسان الأول أن يُوجد طقوساً يتقرب بها إلى فهم الحافز الذي استثاره.

***

إن إنعدام الإستقرار النهائي على فهم الحافز (وجود الله) حدا بالإنسان إلى ظاهرتين:

1- ظاهرة تَعدد الدوافع.

2- ظاهرة الإحتمالات.

وقبل قليل قلنا أن هناك دافع الحُب في الإكتشاف ودافع الخوف من المصير. أما ظاهرة الإحتمالات التي أصبحت لاحقاً نظريةً معترفاً بها في مجالات البحث، فإنها واحدةٌ من وسائل الدافع الى المعرفة. والمشكلة في نظرية الإحتمالات هي مشكلة قدرة تلك الإحتمالات على الإنشطار والتشظي إلى عدد لا محدود من التوقعات على نحوٍ يُربك الفكر وقد لا يقود إلى نتيجةٍ حتمية.

ولكي يخرج الإنسان الإبتدائي من نظرية الإحتمالات التي تحتاج إلى عقلٍ كبيرٍ ناضج في إنشائها والقيام على جداليتها لجأ إلى إقامة الطقوس الميثولوجية فأصبح له دينٌ (إتقائي) يواجه به خوفه بتلك الطقوس وممارستها.

على هذا الأساس كان الدين الذي صنعه العقل ديناً:

1- تحولياً من حالة إلى حالة

2- طقوسياً أدائياً يفتقر إلى النظرية.

ويحاول بعض الباحثين في العصر الحاضر إعتبار الطقوس التي وردت في الدين السماوي (الكتاب السماوي، وممارسة رسوله) بقايا من الدين الأول الذي صنعه الإنسان، ولكن هذا غير صحيح لأن الطقوس في دين السماء تستند الى إرتباط وثيق بين المعملية والنظرية؛ ومثالنا على ذلك: النُذر أو الفدية، تلك الحالة التي أقرها الدين السماوي (دين النضج) لأنها تحمل دلالات ورموزاً تتحقق بها مصداقية السريرة.

إن الدين، صنعة العقل، ظلَ يؤثر في قدرة الإنسان المعاصر على استلهام الإشراق الفاضل في الدين السماوي الذي صنع أو صنَع العقل الإنساني من جديد فظهرت لدينا في هذاالإنسان حالة (التدين) ونعني بها الإتكاء على الوسائل الوضعية في فهم الدين الخالص.

والإنسان كائن بطيء الإنسحاب من معتقداته حتى في أجلىى حالاته الفكرية لانه لا يملك عقلاً (مفكراً) نقياً خالياً من التفكير الوجداني الذي يغطي مساحة العقل بالسلوان العاطفي ورطوبة المشاعر.

والتدين هو الذي أوجد الإنشطار المذهبي في الدين الواحد حينما أصبحت الشخصيات وقداسة الفرد وطهرانية الضريح وإختلاف النظرة إلى طبيعة الدولة التي أنشأها الدين السماوي عوامل ناخرة هادمة لحقيقة الدين الخالصة.

***

قلنا كما نقول الآن أن وظيفة الدين العُليا هي بث الطمأنينة والإستقرار في النفس البشرية، وهذا ما عجزَ عنه الدين الذي صنعه العقل، لأن العقل صانع والدين الذي أوجده العقل مصنوع، والمصنوع لا يجوز أن يكون أكبر أو أقدر من الصانع على أداء المهمة.

هل يرضى الأب أن يكون إبنه قائداً له في مسيرة حياته وهو الذي كان سبباً في ولادته ومُعلماً له دروس حياته؟ وإذا أردنا أن نشير إلى فضيلةٍ للعقل في إختراعه ديناً خاصاً به، مُفصلاً على حالة وعيه المحددة بزمانه ومكانه وثقافته، فإننا ملزمون بالإعتراف بأن الدين ضرورة عقلية للإنتماء على الرغم من الإختلاف القائم في فهم محتواه.

فما دام العقل قد (فكَر) في إيجاد دين ينتمي إلى نفسه وإلى خَلقِه وخالقه فيعني ذلك أن الدين يظل عملاً عقلياً لم يُسعفه الدين السماوي بالتبكير في الظهور فأوجده الإنسان من عندياتهِ.

إذن، لو فرضنا أن الدين السماوي لم يظهر ابداً، فهل كان العقل البشري قادراً على الوصول بتدرجه الديني الذي هو من صُنع محاولاته إلى مرحلة الدين السماوي أم أنه سيستمر في الإنتقال من دين الى دين بصورة وضعية حسية تعتمد على إدراك اللامحسوس بالمحسوس (استخدام الحس الفائق)؟ الذي نعتقده هو انه سيصل إلى مشارف الدين السماوي أو الدين السماوي نفسه ولكن بعد أن يستنفذَ كل محاولاته في صناعة إله على هواه فينشأ عنده ما نُسميه (إدراك اليقين باليأس من الشك).

هنا يلتقي الدين الذي صنعه العقل مع الدين الذي ضيع العقل، وهذا ما يؤكد ان الدين السماوي هو دين الفطرة والفطرة هي التلقائية والإستعداد الجبلي لقبول التوحيد والدين الذي ينادي بالتوحيد.

فلنعترف الآن أن الإنسان في مسألة إعتقاده كان قد دار في حلقة مُغلقة لم يُخرجهُ منها إلا استسلامه إلى القدرة الأعلى وهي الله.

نحاول الآن أن نفحص الدين الذي صَنع العقل، أي الذي أخضع العقل الطاغي المتمرد لقوته ونظَم وعيه بالطريقة التي يريد. إن الكائن الإنسان محكوم بتلاثة معطيات: التفكيروالعواطف والسلوك.

والذي فعله الدين في العقل، لكي يسيطر على هذه المعطيات هو الآتي:

1- قَدم الدين السماوي صيغة المُسلمات وهي النصوص التي لا جدال فيها. ولكي لا تكون تلك النصوص قيوداً على العقل ترك الدين للعقل فرصة التفكير في النص ولماذا جاء بهذه الصيغة الثابته. أي أن الدين لم يسلك مع العقل سلوك التدرج بل قَدم الثابت ليدور حوله النقاش.

2- قَدم الدين معلوماتٍ عن الخَلق (آثار الله) بطريقة رمزية وإشارية تتطلب من العقل البشري إعمال المجاهدة فيكشف تلك الرمزية.

3- جعل الدين ظاهرة الشك قائدة إلى اليقين ولم يجعل اليقين سبباً لإسترجاع الشك.

4- رسخ الدين السماوي في العقل ظاهرة التأمل.ويعرف الكثيرون أن التأمل هو أولى الخطوات إلى المعرفة الحقة.

5- أردفَ الدين السماوي ظاهرة العواطف في الإيمان إلى جنب ظاهرة التفكر لأننا نعرف، وفي علم النفس تحديداً، أن التفكير الوجداني يشحن التفكير العقلي بقوة المتابعة والإستمرار في المتابعة.

6- جَرد الدين السماوي سلوك الإنسان من الممارسات الساذجة والطقوس البدائية في التابو والطوطم والأسطورة لأنها لا تُفضي إلى الإيمان الحق بالخالق الحق.

7- علم الدين السماوي العقل البشري ظاهرة التواضع أمام المجهول لحين إكتشافه فأصبح عقلاً لا يمارس العمل الإختزالي في الوصول إلى النتائج.

***

لقد إتجه الدين الذي صنعه أو أوجده العقل البشري إلى فحص ظاهرة الطبيعية التي تحيط بالإنسان لكنه أهمل أهم ظاهرة إنسانية وهي ظاهرة النفس البشرية بكل ما يكتنفها من غموض وأسرار وخفايا.

فلقد حاول هذا الدين الوضعي حلَ ألغاز البراكين والزلازل والشمس والقمر والرعد والغيوم ناسياً أن أكبر لغز هو هذه النفس العاقلة؛ بينما إهتم الدين السماوي بالنفس واعتبر خَلقها وكينونتها تحدياً واضحاً أمام العقل.

أتزعمُ أنك جُرمٌ صغيرٌ    وفيك إنطوى العالَمُ الأكبرُ؟

إن هناك إختلافاً واضحاً في المعاني والتسميات بين علم النفس العام وعلم نفس الدين.

وسنضع الآن جدولاً لهذه الإختلافات لنُبين فيه ما ذهب إليه علم النفس الوضعي الناتج من الدراسات الإنسانية وما ذهب إليه الدين في محاولته تأسيس علم نفس ديني يصوغ العقل البشري من جديد.

علم النفس العام – علم النفس الديني

1- هو نتائج ما تَوصلت إليه الدراسات الإنسانية للدماغ ومعطياته الفكرية والعاطفية والسلوكية.

 1- هو الناتج الجاهز للنص الديني الذي يعتمد الثبات والتقدير المُسبق للسلوك الإنساني.

2- لم يناقش هذا العلم ظاهرة (الروح) وإعتبر الحديث عنها عودةً إلى بدايات غير واضحةِ المعالم.

2- أكد موضوع الروح وإهتم بها.

3- إهتم بموضوع “الشخصية” وقسمَها على نوعين: السليم والمريض وعدد أنواعاً كثيرة للشخصية المريضة.

3- لا يوجد موضوع واضح باسم “الشخصية” في علم النفس الديني بل أناب عنها مصطلح النفس في صحتها ومرضها كالنفس المطمئنة والنفس اللوامة.

4- إعتبر الدماغ مسؤولاً عن إدارة الصراع في توجيه السلوك وتحديده.

4- تحدث علم النفس الديني عن الأفئدة والقلوب وجعلها شريكة للعقل في ما تفقه فيه أو ما تضمُره من نوايا

5- لم يُفسر الأحلام تفسيراً نبوئياً مستقبلياً بل إعتبرها محاولات رمزية لحل المستعصى من المشكلات التي عجز الوعي عن حلها.

5- تعامل مع الحلم على أنها استنباءٌ بما سيحدث من خير أو شر.

6- لم يؤكد موضوع الجن والسحر والكهانة واعتبرها ميثولوجيا مَجة مُتخلفة.

6- يشير إلى هذه الأشياء بإهتمام واسع ويؤكد أثرها في النفس البشرية.

7- لا يؤمن بالحتمية السلوكية ويعد الإنسان كائناً قابلاً للتعديل والعلاج.

7- يميل إلى تقرير حالة الإنسان الذي يتصرف في حياته على وفق ما هو عليه من ثوابت وُلِد عليها.

***

كان الإنسان في دينهِ الوضعي (الدين الذي أبدعه أو إبتدعه العقل) يتغير لكي يتطور فهو ينتقل من حالة وعي إلى أخرى مستخدماً التدرج الزمني. فإله الغيم عند قوم من الأقوام يتغير إسماً وتكويناً طبقاً لوعي وثقافة أولئك القوم من زمن إلى زمن. وعدَ الأنثروبولوجيون الثقافيون حالة التغير هذه نوعاً من أنواع التطور.

هذا ما حصل في الدين الوضعي بينما كان الإنسان في الدين السماوي (الدين الذي صنع العقل والوعي) مُطالباً بأن يتطور من دون أن يتغير. وقد تحقق ذلك للدين السماوي لأنه أكد استمرارية ثبات مَرافق في حياة الإنسان وأكد مطالبة الإنسان بأن لا يتغير فيها إنما حقه أن يتطور في ضمنها. هذه المرافق هي: الإقتصاد ، واللغة، والمحرم المقدس.

ففي حالة المسلم في الإسلام لا يستطيع هذا المسلم أن يُغير من ثوابت الحلال والحرام في مصادر إقتصاده خلافاً لِما قرره كتابه السماوي (القرآن)، فهو ثابتٌ فيه وعليه أن يتطورَ في حدود هذا الثابت.

وفي اللغة العربية لم يستطع المسلم أن يُغير من لغته التي نزل بها القرآن حرفاً واحداً لأن القرآن عنده هو سيد المعاجم ورائد القواميس الذي يندحر أمامه كل إجتهاد في التغيير. وهذا ما جعل هذا الكتاب صعباً جداً على مترجمه إلى لغة أخرى لأن الترجمة الحرفية النصية أخفقت كثيراً في استلهام روح التأويل وفقه ما بعد المعنى المباشر في الجملة القرآنية.

وأدى ثابت (المُقدس المحرم أو المحرم المقدس) دوراً في العمل ضمن دائرة الطاعة للقوة الأعظم وليس في التمرد عليها، أي في العمل من الظاهرة بإتجاه خالقها. أمام هذه الثوابت وجه الكتاب السماوي العقل إلى العمل في ضمنها فأشاع في النفس البشرية الآتي من التعلم:

1- التواضع الجم في البحث العلمي عن الخالق وانعدام المكابرة في إصدار قرار الإلحاد. لأن العلم يعترف ويناقش في ما وصل إليه ولا يُصدر رأياً بالإلغاء والنفي لما يجهله، وإذا قال عالمٌ عن شيء لا يعرفه بأنه غير موجود لأنه لا يعرفه فقد جَهِل.

2- الصبروالتأمل الكاملان وهما سمتان في طالب التعلم، وبدونهما تشيع اللجاجة والفوضى والإستعجال. وإذا شاع الصبر والتأمل قلت كمية (العُصاب) في النفس البشرية وأصبح صاحبها أكثر إستقراراً ة وقدرةً على الحوار من أجل الحقيقة.

3- العلم بالمقارنة (Comparison learning): وهذا ما كان مفقوداً في الدين الوضعي، فلم يكن مُعتقِدُ دينه الوضعي قادراً على المقارنة بين ما أوكل إلى تصوره في معتقداته وكمية المنجز من هذه المعتقدات.

لقد ظل الذي يتصور ربه أفعى أو كائناً بحرياً أو صنماً حجرياً عاجزاً عن فهم العجز الكامن في هذه المؤلهات عن تحقيق شيء، أما الدين السماوي (وفيه الكتاب) فقد أوقد فتيل المقارنة في العقل.

4- محاربة الشك بفتح باب اليقين: فعلى الرغم من عدِ الشك عند بعض المدارس الفكرية سبباً لليقين فإنه له أثراً سالباً في النفس البشرية حيث يقود أحيانا الى ظهور البارانويا (أفكار الإضطهاد وأفكار العظمة). ولا يمكن أن يتحقق الإيمان ما لم يتحقق اليقين. فالفصامي والهوسي ومريض الأفكار الحصارية ومريض القلق يعانون من الوهم الذي كانت بدايته تدور في دائرة الشك.

***

من هذا الذي أوردناهُ نستنتج أن الدين السماوي أثر في العقل وقاده إلى التوحيد على ثلاثة أصعدة:

1- التفكير: وهو الذي يرتكز إلى الذكاء والذاكرة واللغة والإستنتاج عبر أدوات الحس وما فوقها من قدرة على الإستلهام.

2- العواطف: حين هذبها تهذيباً يليق بوقار الكائن الإنساني المُطالب بكيفية المثول أمام قدرةٍ تتمتع بالمُطلق.

3- السلوك: حين استطاع هذا الدين أن يرسم حدوداً وحرية محكومةً بإحترام حرية الأخر.

لقد حَقق الفكر الإنساني المُلحد بالله إغراء لدى الكثيرين فنشروا نظرياتهم وأفكارهم الداعية إلى إنكار وجود الله، واستطاع هؤلاء بما ملكوهُ من قدرة على الكتابة والنشر أن يُغروا جيل الشباب من بني الإنسان بأفكارهم.

وكثيراً ما يكون الإنسان في مُقتبل عُمرِه متمرداً مشاكساً باحثاً عن وجودهِ عبر قاعدة “خالف تُعرَف”؛ حتى إذا تَقدَم العمر بهؤلاء الشبيبة آلو إلى التمحيص وإعادة النظر في ما أغراهم من هؤلاء المفكرين الداعين إلى الإلحاد.

إن علم النفس الملحد لم يستطع أن يقف أو يصمد أمام علم النفس المؤمن بالله، لأن ذلك العلم كان يدرس السلوك البشري بواسطة مختبره النفسي والعقلي فيأخذ الظاهرة الإنسانية أخذاً تفسيرياً لا تأويلياً.

لقد جعل علم النفس الملحد الإنسانَ نواةً لأبحاثه وأوكل إلى طبيعة الإنسان كل قدرةٍ على الكينونة. ولنأخذ أمثلةً على ذلك: درسَ علم النفس حالة الغضب (Anger) عند الإنسان ووصل إلى أن مركز السلوك الغاضب هو اللوزة (Amigdla) التي تجعل الإنسان غاضباً عندما يتعرض لأسباب نفسية أو إجتماعية أو بيئية؛ فيصبح غاضباً لأن منطقة اللوزة مستثارة، لكن علم النفس لم يستطع أن يجيب عن الأسئلة الآتية:

1- لماذا اصبحت اللوزة مركزاً للغضب عند استثارتها؟

2- لماذا تُثير الأسباب النفسية والإجتماعية اللوزة؟

مثال آخر: قرر علم النفس أن المكان الأكثر من غيرهِ في الدماغ إختصاصاً بالذاكرة هو الفص الصدغي وقرن آمون.

لكن الكتاب السماوي يقول: يومَ تشهد عليهم جلودهم وأقدامهم وأيديهم. والشاهد لا يكون إلا بذاكرةٍ لديه عن الحدث الذي حضر حدوثه. هنا لم يستطع علم النفس أن يجيب عن سبب قدرة الجلود والأيدي على الشهادة.

هذا هو التحدي الذي قام به الدين أمام العقل البشري فإما أن يرفضه هارباً منه إلى الإلحاد أو أن يكتشف حقيقةً لا يستطيع إنكارها. مثال آخر:

1- لماذا تُبصر العين ولا تسمع؟

2- لماذا تسمع الأُذن ولا تبصر؟

3- لماذا لا يضحك الحيوان؟

4- لماذا ننام؟

5- كيف نحلم؟

6- هل ينام الدماغ؟

***

إن العقل المجاهد في محاولة صناعته إلهاً وديناً يوصله إلى ذلك الإله سيلتقي يوماً ما مع الدين السماوي الذي قدَم للعقل صورة الإله وطبيعة الدين الذي أقره الله طريقاً للوصول إليه، وهذا ما حصل عَبر كل ما قدمناه من تدبر وقراءة.

إذا كان الأمر كذلك وقد كان كذلك، فهل يمكن القول إن واحداً منهما يكفي للقيام على حياة الإنسان وصولاً إلى التوحيد؟ هل سيكون العقل وحده عقلاً ونائب فاعل عن الدين كما سيكون الدين ديناً ونائب فاعل عن العقل فيعيش الإنسان بواحدٍ منهما؟

إثنانِ أهلُ الأرضِ: ذو عقلٍ بلا  دينٍ، وآخر دَينٌ لا عقلَ له.

للإجابة عن هذا السؤال نقول: ستستوي كفة العقل والدين وصولاً إلى مرحلة الإيمان بالله على المستوى العقلي الرياضي المجرد لكن لن يغني وجود العقل عن وجود الدين على المستوى القيمي للأشياء وعلى مستوى الأخلاق، لأن العقل في طبيعته لا يؤمن بالقيم ولا أخلاق مع العقل بينما تكمن القيم التي تٌقاس بالميزان ولا تحسب بالعداد في الدين.

فالإيمان العقلي بالله يُشبه الإيمان بالمسألةِ الحسابية يقرأها ويضع حلاً لكنه لا يقيم لها اعتبارات أخلاقية. فيما الإيمان الديني يضيف إلى الإيمان العقلي حلاوة ورطوبة ومذاقاً.

للإيضاح أكثر نقول: هَب أن رجلاً عالماً في الرياضيات أو الفيزياء يُوحد الله ويؤمن بخلقه للصغير والكبير بدون أن يعتنِقَ ديناً، فهل يجد هذا العالم معنى للصلاة والصوم وصولاً إلى رضا الله كما يفعل أتباع الدين السماوي؟ إنه لن يقوم بذلك لإفتقاده إدراك الغرض من هذا، لكن رجلاً آخر عالماً مثله في الرياضيات أو الفيزياء مثلاً يُوحد الله بعد إعتناقه ديناً سماوياً، سيقوم بالصلاة والصوم لأنه يؤمن بهما طريقاً إلى رضا ربه. فالأول لا يفهم معنى للعلاقة بين أن يُوحد الله وأن يُصلي له. هذا المثال يكفي على ما نعتقدُه سبباً للقول أن العقل يُوفر الإيمان المجرد بالله فيما يوفر الدين الإيمان المًعضد بطريقة الشكر لهذا الإله.

***

لماذا يُثير أتباع العقل الأسئلة حول الله فيما يتحاشى ذلك أتباع الدين وخصوصاً الدين السماوي؟ إن أسئلة أتباع العقل تتركز على النواحي الآتية:

1- إذا كان الله هو خالق كل شيء فمن خلق الله؟

2- لماذا أقر الدين قاعدة (لا إجتهاد في النص)؟

3- إذا كان الله جميلاً فلماذا خلق القبح في الأشياء؟

4- إذا كان الله يعاقب المجرم فلماذا خلقه غير قادر على الفضيلة؟

5- إذا كان نور الله يملأ كل شيٍ في الكون فأين تكمن النجاسة؟

6- إذا كانت الوراثة تفعل فعلها في إنتاج أجيال الملحدين فما دور العقل في الإنتصار على الموروث؟

هذه هي أهمُ الأسئلة التي أثارها العقل فلم يجد لها جواباً فمالَ إلى الإلحاد. وفي مقابل هذه الأسئلة لجأ أتباع الدين إلى ترك أسئلةٍ لا يملكون إجابة لها فأقروا ان مجرد إثارة مثل هذه الأسئلة عملٌ يقع في دائرة الحرام، فلجأ الكثير منهم إلى الصمت حتى تناهى إلى أذهان أتباع العقل أن اسئلتهم مفحمة ومعجزة لأصحاب الإيمان.

إن علم النفس يردُ على أتباع العقل بالآتي:

1- في مسألة (مَن خلق الله؟) يسأل علم النفس أتباع العقل ما يأتي: إذا كان النجار قد صنع (خَلق) الكرسي فكيف صنعه؟ إنه صنَعه بالفكرة فمن صنع الفكرة؟ صنعها الدماغ. فلماذا لم يسأل هؤلاء: من صنع الدماغ؟ إنهم لا يبحثون عن صانع للدماغ بل يحيلون إليه قدرة وفكرة الصناعة وينسون أن الدماغ مخلوق.

فإذا وصلنا إلى أن الله هو خالق الدماغ نكون قدوصلنا إلى سؤال: مَن خلق الله؟ ولو أجبنا أتباع العقل بالقول أنه لابد لله من خالق فينشأ سؤال آخر يقول: من خَلق خالق الله؟ وهنا ينشأ الإلحاد بالله لأنه سيُصبح قيمة وسطى بين خالقهِ ومخلوقاته، بمعنى آخر إنه سيُصبح مبعوثاً من خالقه إلينا وهذا لا ينطبق على الوصف الذي أقر بأن الله هو المُطلق.

وإذا أردنا أن نُقرب ما أوردناه بأمثلة فلدينا ما نقول به الآتي: يوجد في عضلة القلب مركز لكهربائية القلب تُسمى (العتبة الصانعة Base maker). وفي الدماغ البشري تنبعث موجات كهربائية من الفص الخلفي له (Occipital lobe) و تبعث الموجات الكهربائية المغذية لفصي الصدغ والجدار والفص الأمامي.

من أين جاءت الطاقة الكهربائية للدماغ مع علمنا أنه لا يوجد أي إتصال للنسيج الدماغي مع أنسجة أخرى أو محطات تغذية أخرى؟ معنى ذلك أن الدماغ صانعٌ لطاقته الكهربائية بنفسه فلماذا لا يقودنا هذا إلى استنتاج أن الله قوةٌ مكتفية بذاتها في صُنع ما تريد؟

2- الدين دينان: دين الإيمان بالله خالقاً أزلياً واحداً لا يتجزأ، ودين العقيدة. والنصوص تخص الحدود التي تجعل للإيمان معنى. مثال ذلك المدرسة : للمدرسة مناهج تُعلم التلميذ الكيمياء والفيزياء والرياضيات واللغة ولها أعرافٌ وطقوسٌ تقوم على إحترام المعلم والنظر إلى المعرفة بأخلاق وإنضباط أمام مُعلمها ولها مراسم إحترام زمن الدرس واللباس الخاص بالتلمذة.

ومثلما لا يمكن الإعتراض على عِلم المدرسة (النص) بينما يمكن الإجتهاد في أعرافها بحرية محدودة، كذلك لا إجتهاد في النص الذي منه وعلى رأسه الإيمان بمنهج الكون (الله).

3- الله جميل وقد خلق القبح في مخلوقاته لكي يُبرزَ صورة صورة الجمال على طريقة صراع الأضداد (الضِدُ يُظهرُ حسنه الضد). ولولا القُبح لما ظهر الجمال. فالكون في كل مفاصله محكوم بالثنائية. فالرسام البارع يرسم المناظر الجميلة لكنه يستطيع أن يرسم لوحةً تظهر قبح رأس البوم.

4- أودع الله في الإنسان عنصري الصراع (الشروالخير) ليرى كيف يجاهد الإنسان في خلاصة من السلوك الشرير.

5- الوراثة مؤثرٌ قويٌ لكن مبدأ الطفرة عامل كبير كما أن وسائل التعليم الجيد تٌخفي الكثير من آثار التوريث السيء.

د. ريكان إبراهيم

صحيفة المثقف العراقي

التصنيفات : دينية واسلامية