البدو في العراق..ماذا بقي منهم؟

11 يوليو، 2021
73

 

دينا البسنلي

منذ الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، لم تعد آثار ما تشهده بلاد الرافدين من تغيرات تقتصر على تطورات الساحة السياسية فقط. فلكل تغير سياسي آثاره الاجتماعية والثقافية العميقة، والتي وصلت حتى للبدو، الذين طالما عُرفوا بانعزالهم عن حياة المدينة بكل ما فيها.

 

وساهمت العقود الطويلة من الحروب والصراعات المسلحة في مضاعفة ما يعانيه البدو الرُحَل في العراق، والذين يتراوح عددهم اليوم ما بين 150 و170 ألف وفقا للإحصاءات الرسمية، من عزلة و”تهميش” يهددان باندثار التراث الخاص بهم.

 

وفي أول دراسة أنثروبولوجية شاملة عنهم، تجري جامعة القادسية بالتعاون مع كليات الآثار في كل من الكوفة والموصل وسامراء وذي قار بحثا بهدف توثيق التراث الحي لبدو العراق. كما تسعى الدراسة، والتي تلقى دعما من شبكة النهرين التابعة لكلية لندن الجامعية، إلى إعداد أول منهاج تعليمي لتدريسه للطلبة بالجامعات.

وفي حوار أجرته DW عربية معها، تشير الباحثة سارة الزعيمي إلى ما تسببت فيه النزاعات التي تشهدها العراق من حصول مجموعات ثقافية على نصيبها من البحث والاهتمام الإعلامي، “في الوقت الذي بقي فيه مجتمع البدو مهمشا، رغم أن أغلب سكان العراق العرب ينحدرون من أصول بدوية استقرت لاحقا في المدن والقرى”، حسب تعبيرها.

 

وجاء البدو من شبه الجزيرة العربية إلى العراق إما بحثا عن المياه والمراعي أو مع الجيوش العربية حيث وصلت قبائل عنزة وتميم وشمر في القرن الثامن عشر، وفقا للدراسة، ثم انتقلت موجة ثانية من بدو الشام إلى العراق في القرن التاسع عشر.

 

وتقول الزعيمي: “لاتزال هناك قبائل تعيش في البادية حتى اليوم، وينظرون باستعلاء للبدو الذين استقروا في المدن. ولكن آخر الدراسات المتاحة عن البدو تعود إلى ستينات القرن الماضي، ولا تتوفر حاليا أي دراسة أنثربولوجية حقيقية عن بدو العراق”.

 

وترفض الدراسة الأفكار النمطية عن البدو التي ترسخ لصورتهم كـ”همج يتسمون بالعنف والبدائية والانغلاق”. ولكن ترى الزعيمي أن البدو ببساطة “منسيين”، مقارنة بفترات سابقة.

 

ففي ظل نظام الرئيس صدام حسين، اعتاد البدو على الحصول على بعض المكاسب مثل الاتاوات أو رسوم مرور القوافل عبر المناطق التي يعيشون فيها، أو قيام الدولة حينها بحفر آبار مياه لهم. كما كان للبدو الرُحل حرية التنقل بحكم ما لديهم من ارتباطات قوية عابرة للحدود مع قبائل عربية أخرى في الكويت والسعودية والأردن وسوريا.

البدو والتنظيمات الإرهابية!

 

وعقب الغزو الأمريكي للعراق وما تبعه من حرب ضد تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش)، أغلقت الدول المجاورة للعراق حدودها أمام البدو لأسباب أمنية وسياسية بما أدى لاقتصار حركة البدو في الصحراء والسهل الرسوبي غرب نهر الفرات.

 

وفي حوار أجرته DW عربية معه، كشف مدير المشروع الدكتور حاتم صلاح عن المناطق التي تمتع البدو فيها سابقا بحرية تنقل واسعة.

 

وأضاف الدكتور حاتم صلاح قائلا: “اعتاد البدو على التنقل بحرية عبر مناطق الرعي الواقعة بداية من بادية السماوة في الجنوب، بالتوجه نحو بادية الجزيرة المحصورة بين تكريت والرمادي والموصل بالشمال، ووصولا إلى البادية الواقعة على الحدود مع تركيا. ولكن مع انتشار الإرهاب ضاقت البادية على البدو، وأصبحت سلطات الدول المجاورة أكثر تشددا في التعامل معهم”.

 

ومع اجتياح تنظيم “داعش” لمناطق شاسعة في العراق عام 2014، نزح الكثير من البدو بعيدا عن مناطق العمليات العسكرية. ومع تمكن قوات الجيش العراقي والتحالف الدولي من طرد التنظيم الإرهابي منها بنهاية عام2017، سعى البدو الرُحل للعودة لمناطقهم مرة أخرى.

 

ولكن يبدو أن الأمر ليس بهذه السهولة حيث يشتكي البدو من “إجبارهم على الانتقال من جانب المجموعات المدعومة من إيران”، وفقا لتقارير إعلامية. ولكن بعيدا عن مسألة حرية الحركة، فإن للعلاقة بين البدو والتنظيمات الإرهابية أو المجموعات المسلحة وجها آخر حيث يتحدث حاتم صلاح عما يصفه بـ “انخراط عدد من البدو مع المجموعات الإرهابية”.

ويقول الدكتور حاتم صلاح: “منذ ظهور تنظيم القاعدة، قدم البعض منهم الدعم له لأن أغلب بدو العراق يميلون نحو المذهب السني أو الوهابي. ولكن لأن البدوي بشكل عام غير متدين ولأنه صاحب فطنة وعزة نفس، أدركوا مع الوقت أن تلك التنظيمات لا تصلح لبيئتهم ولطريقة حياتهم فانسحبوا منها”.

 

ولا تؤمن الزعيمي كثيرا بفرضية انضمام بعض البدو لأي تنظيمات إرهابية، “حيث لا توجد معطيات علمية تثبت ذلك، خاصة وأنهم لم يتورطوا في حمل السلاح والقتال”، على حد تعبيرها. إلا أن الباحثة المشاركة في الدراسة تقول إن البدوي “يمكنه فقط أن يسهل دخول الإرهابي أو أن يقوم بتحصينه أو تزويده بالسلاح في مقابل مادي”.

 

وتضيف الزعيمي: “لم يعترف البدو لنا بحقيقة نشاطهم، فهم ليس لديهم أي مورد فمن أين تأتي أموالهم. نحن نعرف جيدا أنهم يتعاملون مع التهريب، فالبدوي شخص مادي وليس ايديولوجي فهو يمكن أن يتحالف اليوم مع داعش وغدا مع الشيعة وبعد غد مع السعودية وهكذا”.

 

ويتفق كل من صلاح والزعيمي على أن للبدو “نظرة براغماتية عملية جدا للدولة والإيديولوجيات المختلفة والطوائف الأخرى”، على حد تعبيرهما.

 

”الدولة تبدو وكأنها تحاربهم!”

 

وبسبب نظرتهم العملية والبراغماتية لطبيعة حياتهم في الصحراء، يسعى البدو على اختلافهم دائما خلف مصدر الماء والغذاء لهم ولحيواناتهم.

 

ويرى مدير المشروع الدكتور حاتم صلاح أنه مع تبدل فصول السنة يقترب بدو الغنامة الذين يرعون الغنم بالتحديد، من القرى والمدن ويقومون بشراء العلف أو حتى أحيانا الأراضي نفسها التي تحتوي على العلف لإطعام أغنامهم. بينما يصعب على بدو الجمالة الذين يرعون الجمال بالتحديد، الاقتراب من القرى والمدن المزدحمة.

 

وبسبب ما يشهده العراق حاليا من أزمة مائية والانخفاض الحاد في منسوب نهري دجلة والفرات بسبب حجب الجانب التركي للمياه أيضا، بدأ بعض بدو الجمالة بالتخلي عن تربية الجمال بقلب الصحراء والانتقال لحياة الغنامة بمحاذاة القرى والمدن، وهو ما يعمل على اندثار ثقافتهم بشكل كبير، وفقا للدراسة.

 

بيد أن أكثر ما يخشاه البدو اليوم هو الآثار المترتبة على تخصيص السلطات العراقية لمساحات كبيرة من الأراضي التابعة للبدو لإنشاء مشاريع استثمارية ضخمة.

 

وشكا أغلب البدو للباحثين، عبر أكثر من ستين مقابلة وعشرات الزيارات الميدانية، من “سوء حالهم وقلة مواردهم” بما يؤثر بالسلب على حرفهم التقليدية وثقافتهم. كما يخشى الباحثون من تعرض الآبار للجفاف، فضلا عن تلاشي التجمعات والأسواق البدوية التقليدية بسبب خطط الاستصلاح الضخمة، بما يهدد باندثار تراث بدو العراق قريبا.

وتقول الزعيمي: “الدولة تبدو وكأنها تحاربهم، فحتى الأراضي التي كان بها الماء والغذاء لهم ولمواشيهم تم تخصيص أجزاء كبيرة منها لمشاريع استثمارية، ولم تعد تحفر لهم الآبار أو تعطيهم إتاوات ولا تهتم بهم. وأي مجموعة مسلحة بدون أي أوراق ثبوتية وتعيش في الصحراء يمكن في يوم ما أن تكون خطرا على أي دولة. الصحراء هي ملاذ كل الفارين ومهربي الأسلحة والمخدرات وحتى الأفراد، فجميعهم يمرون عبر البدو”.

 

جدال بين رجال البدو ونسائهم!

 

ولاحظ الباحثون استخدام بعض البدو لما توفره التكنولوجيا الحديثة من وسائل مختلفة، كسيارات الدفع الرباعي والدراجات النارية والهواتف المحمولة، وهو ما سهل عليهم الكثير. ولكن بسبب كل ما يواجهه البدو اليوم من تحديات وصعوبات الحياة، أعربت الكثيرات من النساء عن رغبتهن في التخلي عن حياة البادية.

 

وتقول الزعيمي: “البدويات هن الأكثر رغبة في الاستقرار بالمدن، كما يتمنين أن يكون لبناتهن نصيب في الزواج من شخص مستقر ولأبنائهم حظ للدراسة في المدارس”.

 

ويعارض أغلبية الرجال رغبة نسائهم ويؤكدون على اعتزازهم بالحياة البدوية وفخرهم وتمسكهم بها. ولا يعرف الباحثون كيف سينتهي هذا الجدال داخل الأسرة البدوية، على حد تعبير الزعيمي. بيد أنهم يأملون على الأقل في رفع نتائج دراستهم للسلطات المعنية في العراق والعمل عليها بهدف توثيق تراث بدو العراق لدى اليونسكو حتى يحصلوا على الحماية والرعاية من المنظمة الدولية.

 

المصدر  DW

التصنيفات : تحقيقات