“لغز” الكهرباء في العراق.. ضيفٌ لا يحل في صيف ملتهب!

11 يوليو، 2021
96

 

كاثرين شير/ كيرستين كنيب

تصريحات متضاربة، وزراء كهرباء يقدمون استقالاتهم، وأصابع “خفية” تتحكم بحياة العراقيين مع كل صيف تفوق فيه درجات الحراة الخمسين. أزمة الكهرباء تثقل كاهل الناس المثقل فعليا بالفساد. ما قصة الكهرباء الغائبة عن العراق؟

على مدار الأشهر القليلة الماضية، تعرضت محطات كهرباء في العراق لهجمات، إذ قالت وسائل إعلام محلية إن أكثر من 70 برجا لخطوط الضغط العالي للكهرباء تعرض للتخريب، فيما يشتبه بأن داعش يقف وراء هذه الهجمات. لكن الناطق باسم وزارة الكهرباء العراقية قال في مقابلة تليفزيونية إن “هناك من يحاول زعزعة استقرار البلاد ونشر الفوضى”.

بيد أن الحقائق تشير إلى أن الإرهابيين استغلوا فقط أزمة طويلة الأمد يعاني منها العراق تتعلق بانقطاع شبه دائم للكهرباء خاصة مع اشتداد درجات الحرارة في الصيف. ففي هذا البلد الغني بالنفط، لا تمتلك معظم المدن العراقية مصدرا للطاقة الكهربائية على مدار ساعات اليوم، وانقطاع الكهرباء بات جزءا من الحياة اليومية للعراقيين فيما يزداد الأمر سوءا مع ارتفاع درجات الحرارة يجاوز 50 درجة مئوية خصوصا في شهري يوليو/ تموز وآب/ أغسطس من كل عام.

 

وبسبب الأهمال، فإن الطلب على الكهرباء يفوق العرض والقدرة انتاج الطاقة الكهربائية في العراق. وخلال الأسبوع الماضي، بلغت هذه الأزمة في العراق ذروتها مع انقطاع الكهرباء دام لساعات عن مستشفيات ومباني حكومية وحتى مطارات. وأثارت أزمة انقطاع الكهرباء موجة تظاهرات خلال الأيام الماضية، إذ اقتحم متظاهرون غاضبون عددا من محطات الكهرباء في العاصمة بغداد وديالى التي تقع على بعد 40 كيلومترا في الشمال من بغداد. وفي يونيو/ حزيران الماضي، قدم وزير الكهرباء ماجد حنتوش استقالته ليصبح بذلك وزير الكهرباء الثامن عشر على التوالي الذي يستقيل خلال الصيف في العراق.

مليارات تنفق، فما المحصلة؟

 

وإزاء ذلك، تعهدت حكومة رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي بالعمل على حل أزمة الكهرباء في وعود تكرر على أذان العراقيين سماعها كل صيف، لكن يبدو أن القائمين على إدارة البلاد لا يفعلون شيئا على أرض الواقع في العراق الغني بالنفط. وفي ديسمبر/ كانون الأول من العام الماضي، قالت لجنة برلمانية تم تشكيلها للتحقيق في أزمة انقطاع الكهرباء، إنه أُنفق 81 مليار دولار (68 مليار يورو) على قطاع الكهرباء في العراق منذ 2005.

ورغم ضخامة ما أنفق، إلا أنه لم يطرأ أي تحسن كبير في هذا القطاع فلا يزال العراقيون يعانون من تقليص ساعات تزويدهم بالكهرباء.

 

وإزاء ذلك، سيكون من السهل تحميل الفساد المستشري في البلاد، مسؤولية أزمة الكهرباء في العراق، كما يؤكد المتظاهرون الغاضبون، لكن محللين يقولون إن إيجاد إجابة عن السبب وراء أزمة الكهرباء يعد أمرا شديد التعقيد.  وفي هذا السياق، قال علي الصفار، المحلل في الوكالة الدولية للطاقة ومقرها باريس، “إن الأمر يشبه العاصفة الكبيرة إذ أنه لا يتعلق بمشكلة تقنية فحسب بل هناك عوامل غير تقنية وراء أزمة الكهرباء في العراق فهناك أسباب سياسية واقتصادية”.

وتقدم الوكالة الدولية للطاقة مشورات للحكومات حيال قطاع الطاقة وتجمع بيانات بشأن إمدادات الطاقة العالمية. ويضيف الصفار أن هناك أسبابا خارجة عن سيطرة السياسيين في العراق، على سبيل المثال ارتفاع معدل السكان وأيضا ارتفاع درجات الحرارة لمستويات قياسية وزيادة فترة فصل الصيف واشتداد وطأته. وشدد الصفار على أن كل هذه العوامل تدفع إلى زيادة الطلب على الطاقة والكهرباء ويقل العرض إذ تعمل مولدات الطاقة بشكل غير فعال في الطقس شديد الحرارة. بيد أن الصفار يؤكد أن العوامل الأخرى قد تكون ناجمة عن سوء الإدارة. ويرى المحلل وغيره من المراقبين للشأن العراقي أن أحد المشاكل الرئيسة في البلاد يتمثل في ارتفاع مستويات عدم الكفاءة سواء في العرض وأيضا إدارة الطلب.

 

زيادة معدلات عدم الكفاءة

 

وفي الوقت الحالي، فإن شبكة نقل الكهرباء في العراق قد فقدت ما بين 40 إلى 50 بالمائة من طاقتها وهذا يمثل الفارق بين ما تنتجه من الكهرباء وما يتم توفيره للمواطنين من كهرباء. وتحدث هذه الخسارة لأسباب تقنية، على سبيل المثال نتيجة تلف المعدات أو ضعف أدائها أو قدمها وأيضا هناك أسباب غير فنية كالسرقة، فيما يعد هذا النقص من أعلى المعدلات في العالم. فعلى سبيل المثال، يبلغ معدل خسارة النقل والتوزيع فيما يتعلق بالكهرباء في ألمانيا حوالي 4 بالمائة فيما يبلغ المتوسط العالمي قرابة 8 بالمائة. وفي هذا الصدد، يؤكد الخبراء الدوليون على أن وقف هذه الخسارة يعد أمرا حاسما لأنه في ظل ذلك، فلا فائدة من زيادة توليد الكهرباء.

حلقات مفرغة

 

من جانبه، يشير الصفار إلى تعقيد أزمة الكهرباء في العراق وتشابكها وصعوبة إيجاد حل لهذا المأزق إذ أن الأمر لا يتمحور حول إصلاح مشكلة بعينها بل قد يتعلق الأمر إصلاح مشاكل أخرى. أما الحكومة، ففي حقيقة الأمر قد طرحت خططا لتحسين وتطوير شبكات الكهرباء في العراق عدة مرات ما يستلزم توفير استثمارات مالية كبيرة، فمن أن يمكن توفير هذا المال؟

وفي هذا السياق، تقول السلطات العراقية إن القليل من المواطنين يسددون فواتير الكهرباء فيما تعد عدادات الكهرباء قديمة إذ لم يتم تحديثها لذا فلا تعمل بشكل صحيح وأحيانا لا يتم تركيب عدادات أو يتم تجاهل الأمر فيما تعد ممارسة ربط المنازل بأعمدة الإنارة للحصول على كهرباء بالمجان شائعة في ظاهرة تعرف عراقيا بـ “التجطيل”.

 

وفي ظل تردي واقع الكهرباء، يطرح عراقيون تساؤلات حيال مغزى دفع أموالا مقابل خدمات سيئة إذ يفضلون دفع أموالا لمشغلي مولدات الطاقة في أحيائهم ومناطقهم السكنية عوضا عن تسديد فواتير الكهرباء للحكومة.

 

وقد أشارت دراسة أجريت على قطاع الكهرباء ونشرت في أكتوبر/ تشرين أول أن العراقيين أنفقوا ما يقرب من أربعة  مليارات دولار على مولدات الطاقة الخاصة بهم في عام 2018 في حجم تجارة كبير يرتبط بشكل وثيق ببعض السياسيين وقادة الميليشيات المنتشرة في العراق أو ما يٌطلق “مافيا المولدات”. كما ساهم انخفاض أسعار النفط العالمية العام الماضي في تعقيد الأمر إذ أدى إلى تراجع إيرادات النفط ما يعني تخصيص موارد مالية اقل إلى قطاع الكهرباء في ظل عجز هائل في الموازنة العراقية.

 

وإجمالا، فإن أزمة الكهرباء في العراق تتشابك بشكل مقعد ما بين عدم سداد عراقيين فواتير الكهرباء لكنهم يريدون المزيد من إمدادات الكهرباء، و”مافيا المولدات” التي لا تريد تحسن في هذا القطاع لأن هذا سيضر بمكاسبها الكبيرة، وأيضا حكومة لا يمكنها توفير الأموال اللازمة لتحسين قطاع الكهرباء، حتى إذا صدقت نواياها.

 

لغز

 

وفي ظل هذا، قالت مريم سلمان – المستشارة في شركة قمر للطاقة الاستشارية في دبي –  إن أزمة الكهرباء في العراق أصبحت لغزا أو مجموعة ألغاز يصعب حلها. و أكدت على “هذا اللغز” بقولها: “في العراق، لا يمكن التخلص من اللوبي السياسي وإنهاء طرق السرقة والخداع وسوء الإدارة والهدر المالي في قطاع الكهرباء دون تنفيذ إطار تنظيمي قوي لدفع وتيرة الإصلاح. ومن ناحية أخرى لا يمكن البدء في هذه الأمور دون القضاء على الفساد”.

تدخل دولي

 

لكن يوجد أيضا عوامل أخرى ترتبط بالعلاقات الدولية المتوترة والصعبة بين العراق والمجتمع الدولي خاصة في محيطه الإقليمي. فقد وقع العراق اتفاقيات لاستيراد الكهرباء من دول مثل الأردن والكويت  ومؤخرا مع السعودية ومصر  لدعم الشبكة الكهربائية العراقية التي تعاني نقصا حادا. كذلك تمد إيران الجانب العراقي بالكهرباء والغاز الذي يغذي محطات توليد الكهرباء وهو الأمر الذي تحاول الولايات المتحدة ثني العراق عنه.

 

ومؤخرا، طالبت إيران العراق سداد مدفوعات الطاقة والديون المتراكمة عليه التي تقدر بمليارات الدولارات فيما تعد العقوبات الأمريكية على طهران أحد الأسباب وراء عدم قدرة الحكومة العراقية على سداد هذه المدفوعات بطريقة أسرع.

 

ووفقا لمصادر، فإن الاتفاقيات التي أُبرمت بين عامي 2018 و2019 مع شركتي سيمنز الألمانية وجنرال إلكتريك الأمريكية للمساعدة في إعادة تأهيل شبكات الكهرباء في العراق وتطوير قطاع الطاقة، قد تعقدت بسبب “الدبلوماسية الدولية”.

وقال الرئيس التنفيذي السابق لشركة سيمنز ، جو كايزر نشرت في عام 2018 قال فيها إن”الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مارس ضغوطاً كبيرة على العراقيين لمنح شركة جنرال إلكتريك الأمريكية صفقة تطوير قطاع الكهرباء في العراق”.

 

كما ذكرت وكالة “بلومبرغ” في نوفمبر/ تشرين الثاني 2018 أن إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب أقنع الحكومة العراقية بتفضيل جنرال إلكتريك الأمريكية على من سيمنز الألمانية بعد توقيع الأخيرة اتفاقاً بـ 15 مليار دولار مع بغداد.

 

وتمتلك الشركتان في الوقت الحالي مشاريع في العراق فيما تدعم واشنطن شركة جنرال إلكتريك لمساعدة العراق على تقليص الاعتماد على الغاز الإيراني، بينما ركزت ألمانيا بشكل أساسي على تحسين شبكة الكهرباء في البلاد.

عواقب وخيمة

 

وتسلط هذه الأمور الضوء على صعوبة إيجاد حلول لأول لغز من الألغاز التي تكتنف أزمة الطاقة في العراق. لكن مع اشتداد درجات الحرارة ما يجعل حياة العراقيين العاديين أمرا لا يطاق، يتعين على الحكومة إيجاد حل لأزمة الكهرباء.وهو ما تؤكد عليه مريم سلمان بقولها: “أصبح الوضع مريعا بالنسبة للعراق. الفشل في إصلاح قطاع الطاقة لن يؤدي فقط إلى زيادة الفساد السياسي وإنما يهدد بعودة العنف (الذي يقوم به المسلحون) في ظل تفشي فيروس كورونا وإفلاس خزانة الدولة”.

المصدر DW

التصنيفات : تحقيقات