الانتخابات العراقية.. بين القواعد الديمقراطية والحسابات السياسية

22 يوليو، 2021
464

د. أحمد عدنان الميالي

بعد عام ٢٠٠٣ فرضت التحولات السياسية النمط الديمقراطي في العراق ضمن سياق اتساع دائرة المشاركة السياسية ووضع القواعد والمفاهيم المرتبطة بالديمقراطية في إطار الاختبار بين الخطاب والممارسة.

ولكن تبقى الانتخابات هي الإطار الأوسع للتعبير عن مفهوم الديمقراطية والحقل الواقعي للقياس والاختيار. فالاستحقاق الانتخابي بمعنى الحق في ممارسة السلوك الانتخابي، إضافة إلى حق الترشيح يعد أداة رئيسة للتعبير عن إرادة وسيادة ودور المواطن في ممارسة حقوقه وواجباته في الشأن العام وهذا هو المعنى الحقيقي للديمقراطية.

ولكن الديمقراطية لا تقف عند حدود حق الانتخاب والترشيح والتعبير عن الرأي وتشكيل برلمان وحكومة بل تشمل تأثير المواطن في الاختيارات الاقتصادية والسياسية وممارسة بعض المهام والمسؤوليات التشريعية والتنفيذية، بما ينسجم مع مفهوم توزيع القيم السلطوية بدل الصراع العنيف عليها، هذا من جانب ومن جانب آخر لكي يتم التحقق من تطبيق المعايير الديمقراطية بإطارها المنهجي وأصولها الفكرية السليمة لابد أن تكون مخرجات العملية الانتخابية كحق وممارسة وسلوك وافرازات متطابقة مع تلك الأصول والقواعد والمنهجيات مع الأخذ بالاعتبار وجود حسابات سياسية قد تعطل نسبيا من تلك الأصول أو تؤجل قسم منها لكن دون أن يعني ذلك تجاوز جميع تلك الأصول لصالح الحسابات السياسية.

بقدر تعلق الأمر بالانتخابات العراقية المقبلة نبحث في بيان الأصول والمنهجية الديمقراطية والانتخابات وفق قراءة واقع التجارب الانتخابية السابقة. وفق المحورين الآتيين:

المحور الأول: اشتراطات القواعد الديمقراطية في الانتخابات.

تبقى العملية الانتخابية إحدى الآليات الجوهرية لبناء الديمقراطية ولكي تكون كذلك لابد من اشتراطات فاعلة تحترم من قبل الجميع، ومن تلك الاشتراطات:

١- مصداقية النتائج الانتخابية وتشكيل الحكومة:

لكي تتم المحافظة على مبدأ التداول السلمي والسلس للسلطة من حكومة إلى حكومة ومن رئيس وزراء لآخر لابد أن يستند ذلك إلى النتائج الانتخابية غير المشكوك طبعا في نزاهتها وشفافيتها إذ لابد أن تكون هذه النتائج مستندة إلى توجهات الرأي العام والمنجزات الواقعية للقوى السياسية والحكومة والأحزاب، كما لابد أن تكون هنالك قناعة متبادلة بنتائج الانتخابات والإيمان بالاختلافات الإيديولوجية والتوجهات السياسية والبرامج الانتخابية مابين القوى السياسية المتنافسة والناخبين بشكل عام. وهذا ما يجعل عملية تشكيل الحكومة قائم على أساس قواعد واضحة واستعداد مسبق وقناعة تامة بتلك النتائج التي يجب أن تؤسس على تحالفات سياسية  تكون حساباتها متطابقة أو متقاربة على الأقل من المنهجية الديمقراطية. ويجب أيضا أن تكون هنالك نسبة في فارق عدد الأصوات والمقاعد للحزب أو الكيان الذي يكلف بتسمية رئيس الوزراء وتشكيل الحكومة فهذا الفارق يقلص ويحيد الصراع على رئاسة الحكومة ويسهل تشكيلها وعملها ويقوي التحالفات ونمطها، كما يجنب رئيس الحكومة عمليات التدخل والضغط والتأثير في تشكيل الحكومة وعملية التحالف.

في حالة العراق دائما هنالك معطلات في سياق هذا الاشتراط، عدا مسألة الفارق في عدد الأصوات والمقاعد فهي متحققة رغم أن موضوعة الأغلبية لا تطبق بل يصار إلى التوافق والشراكة الهشة مما يتعارض مع الاشتراط الثاني للديمقراطية.

٢- الأغلبية المنسجمة:

من أصول الحكم الديمقراطي هو أن تحكم الأغلبية التي يصار لها تشكيل الحكومة وفقا لهذه الأغلبية داخل البرلمان فقاعدة الأغلبية النيابية أول أساسيات الديمقراطيات التمثيلية فلا يمكن لأي حكومة منتخبة أن لا تشهد اختلافا بين مكوناتها ولا تحصل على مساندة للبرنامج الحكومي بنجاح إذا كانت قائمة على أساس التوافقات والمحاصصة والحسابات السياسية الضيفة الخادمة لمصالح الأحزاب والقوى السياسية المشكلة لتلك الحكومة.

في حالة العراق هنالك مغادرة لهذا الشرط فلم يشهد ولادة حكومة أغلبية نيابية منسجمة حاصلة على تأييد دائم لبرامجها ومشاريعها ولن تحصل أي حكومة لغاية الآن على دعم للسياسات العامة ومشاريع القوانين والقرارات التي تتخذها من كل المكونات السياسية.

وإن افترضنا تحقيق أغلبية نيابية مستقبلا فيجب أن تكون هذه الأغلبية منسجمة مدافعة عن مختلف السياسات الحكومية وإجراءاتها وقادرة على ضمان الثقة والتماسك، فأي رئيس حكومة لا يكفي أن يكون مرشح الكتلة الأكبر بعدد المقاعد النيابية بل يجب أن يحصل على أغلبية برلمانية منسجمة يستطيع من خلالها الاستمرار بالمنصب بنجاح وكفاءة وقدرة.

إن الأغلبية المنسجمة تشكل قاعدة فعلية تجسد السيادة الشعبية بمعناها السليم، من خلالها يتم إتاحة التبادل الدوري للأدوار بين تلك الأغلبية والمعارضة الفاعلة.

٣- وجود معارضة فاعلة:

من أصول الديمقراطية وجود معارضة فاعلة تراقب وتحاسب وتدقق في سياسات حكومة الأغلبية، ويعد هذا السياق من أهم مؤشرات قياس مدى ديمقراطية النظام السياسي، لأنها تعبير حقيقي عن التدبير الايجابي للاختلاف وعن التعددية الاجتماعية المجسدة في الإطار السياسي والمؤسسي عبر الانتخابات، كما تعد تعبيرا عن الاعتراف الواعي والمتبادل بين مختلف القوى السياسية التي ستعتمد في ظل سيناريو الأغلبية المنسجمة والمعارضة القوية على برامج واقعية قابلة للتطبيق تؤطر الممارسة السياسية وتجعل من اللاعبين السياسيين يحترمون قواعد اللعبة السياسية بعيدا عن الحسابات والمصالح الفئوية.

في حالة العراق لازالت الانتخابات فيه تعتمد على التحالفات الهشة والمؤقتة والمرتجلة والمتناقضة بإيديولوجياتها وخلفياتها وبرامجها ومواقفها، التي تدخل في إطار ما يسمى حكومة التوافق والشراكة بالمواقع والمناصب بما يجعل الكل يحكم ويعارض بذات الوقت، وهذا يكرس صفة الصراعات السياسية والحزبية ويؤدي إلى الانقسام والتفكك ويضعف الأداء الحكومي ويشتت التحالفات الحزبية ويوتر الأجواء ويصدع الانسجام ويفرض سياسات ليّ الأذرع والسلة الواحدة والصفقات والتسويات المؤقتة وترحيل الأزمات والمشاكل والاستحقاقات بدل تطبيق الدستور والبرنامج الحكومي، فلا يوجد في العراق أغلبية منسجمة تحكم ولا معارضة قوية تراقب.

٤- الانتخابات المتحررة من التأثيرات والضغوطات:

من قواعد وأصول الديمقراطية في جانب إجراء الانتخابات ونتائجها، أنها تقوم وتتأسس على تمثيل مختلف القوى السياسية والاجتماعية من خلال إتاحة فرص حرية الاختيار بين تلك الأحزاب والقوى والشخصيات، بما يتناسب وينسجم مع التوجهات العامة للمواطنين واختياراتهم.

ولتكون الديمقراطية كذلك يجب أن يكون الاختيار حراً، وأن تكون الانتخابات متحررة من مختلف أساليب الضغط والتأثير ويكون الدفاع عن المصالح العامة متحررا من القيود والضوابط والمصالح الخاصة الراجعة للحسابات السياسية للأحزاب والقوى والشخصيات.

أي يجب أن تكون تلك المصالح قابلة للتمثيل والتعبير عنها بشكل واقعي لجميع الأطراف بعيدا عن النزاعات والصراعات والإقصاء والاختلاف في تمرير المطالب والتوجهات السياسية لأن الديمقراطية لا تحتمل الصراعات المطلقة.

ولهذا ينبغي أن تكون الانتخابات محكومة بالدستور والقوانين الديمقراطية الحاكمة، كقانون الانتخابات وقوانين الهيئة المشرفة على الانتخابات قبل كل شيء شكلا ومضمونا، متحررة من الضواغط السياسية والإيديولوجية والمادية، فلا بد من استقلال فكري ومادي للأفراد، ومغادرة الضغوطات الاجتماعية والثقافية.

وفي حالة العراق لا أحد ينكر المقيدات الاجتماعية والثقافية والهوياتية للناخبين والمرشحين وتأثيرها في السلوك السياسي، ولا أحد يمكن أن ينكر دور الضغوطات السياسية والمالية والإقليمية والدولية في سياق الممارسة السياسية بشكل عام ولو نسبيا.

٥- ارتباط فعلي لنتائج الانتخابات بتشكيل الحكومة:

تعد عملية تشكيل الحكومة القائمة على أساس الفوز بالانتخابات أحد الافرازات الرئيسة للديمقراطية فهذا الارتباط يجسد فكرتي المساواة والتمثيل الشعبي السليم فمشاركة المواطنين بالانتخابات يعكس رغبتها الحقيقية في اختيار من يمثلهم، كما يرسخ مبدأ تبادل الأدوار بين القوى السياسية بعيدا عن نظرية المؤامرة وغبن الفائزين بناءً على رغبات سياسية محضة، فاحترام نتائج الانتخابات الحرة والنزيهة التي على ضوئها تشكل الحكومة من الأغلبية الفائزة تعد أداة ضبط للجماعات المتنافسة والتوازن فيما بينها باعتبار هذا الارتباط يتضمن إرادة القوى الاجتماعية في التنافس الانتخابي الذي يتيح تشكيل الحكومة استنادا على نتائج الانتخابات، وهذا المبدأ يعد الوسيلة الآمنة للتعبير عن المطالب الاجتماعية سياسيا، كما أنه يجسد دور الأحزاب في احترامها للديمقراطية.

فالعلاقة الفعلية  بين النتائج الانتخابية وتشكيل الحكومة يسمح بتقييم عمل رئيسها ودور الأغلبية الداعمة له ومدى جدوى استمراره في منصبه، وهذا لا يمكن أن يصبح واضحا ما لم تكن هنالك علاقة اتوماتيكية بين النتائج الانتخابية وحق ممارسة السلطة واختيار النخب الحاكمة.

في حالة العراق شهدنا عمليا تسمية رؤساء حكومات وتشكيلها بشكل لا يستند إلى النتائج الانتخابية في أكثر من ممارسة، فالتجارب الانتخابية ومخرجاتها خضعت لمنطق الحسابات السياسية وليس لأصول وقواعد الديمقراطية وطالما تستمر العملية السياسية وفقا لما ذكرناه أعلاه فأن الإخفاقات ستتراكم والأزمات ستستمر.

مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية

التصنيفات : دولية