الهيمنة الصينية في الشرق الاوسط

23 يوليو، 2021
140

تعمل بكين على تعزيز نفوذها في أكثر من ملف عبر مشروعها “مبادرة طريق الحرير”، وقد تجرها تدخلاتها المتنامية إلى صراعات الشرق الأوسط والمتشعبة، والتي يكثر فيها اللاعبون الدوليون.

ويقول المحلل السياسي والخبير في قضايا الشرق الأوسط جيمس دورسي إنه “قد لا تكون للصين مصلحة قصيرة الأجل في المساهمة في ضمان الأمن في أجزاء من المنطقة التي تمتد من آسيا الوسطى إلى ساحل أفريقيا الشرقي، لكن هذا لا يمنعها من الاستعداد لوقت قد ترغب فيه في البناء على العلاقات السياسية والعسكرية طويلة الأمد في أجزاء مختلفة من العالم لإبراز القوة والحفاظ على مصالحها الاقتصادية”.

ويضيف دورسي أن الصين العازمة على استغلال مبدأ العلاقات المربحة للجانبين في المنطقة، والتي يضمنها الاقتصاد والتجارة والاستثمار كحل للمشاكل، عملت على تأخير أو تجنب المشاركة السياسية والعسكرية أو الأحادية في النزاعات خارج حدودها.

ويتساءل إلى متى يمكن أن تستمر الصين في اتباع تلك الاستراتيجية في تعزيز نفوذها خارج حدودها؟

وعملت بكين على اتخاذ خطوة صغيرة نحو عرض قوة أكبر بعد إنشاء أول قاعدة عسكرية خارجية لها في جيبوتي شرق أفريقيا في العام 2017، وهي دولة استضافت العديد من المنشآت العسكرية للولايات المتحدة وفرنسا وغيرها واليابان وربما المملكة العربية السعودية. ويرى دورسي أن هذه القاعدة “تشير إلى الأهمية التي توليها الصين لمناطق مثل الخليج والقرن الأفريقي”.

استراتيجية طويلة الأمد

يوضح مقال حديث في منشور عسكري صيني الاستعدادات الصينية ليوم قد تضطر فيه إلى إبراز قوتها العسكرية في أجزاء مختلفة من العالم. ويعرض المقال التفكير الصيني في مزايا توفير فرص التدريب والتعليم للجيوش والنخب السياسية في الشرق الأوسط وآسيا وأفريقيا.

ويقول المنشور، الذي يمكن الاطلاع عليه على موقع “ميليتاري إكسبريس”، وهو منفذ إعلامي عسكري صيني شهير، إن الطلاب الذين يمكنهم الدراسة في الصين هم في الغالب من النخب العسكرية والسياسية المحلية أو من عائلات بارزة. وبعد أن يدرسوا ويعودوا إلى بلدهم، يكون احتمال أن يصبحوا قادة عسكريين وسياسيين بارزين كبيرا. ويعدّ هذا مفيدا للصين في توسيع نفوذها في الخارج وصادرات الأسلحة.

ويؤكد المنشور أن الأكاديميات العسكرية الصينية كانت أكثر جاذبية من نظيراتها الغربية التي تفرض “شروطا سياسية”، في إشارة إلى الطلاب الذين ينحدرون من دول متحالفة مع الغرب. وقال إن “الأكاديمية العسكرية الصينية تقوم بعمل أفضل في هذا الصدد. ولا توجد شروط سياسية مرتبطة هنا. يتعلم الطلاب العسكريون الأجانب الاستراتيجيات والتكتيكات الصينية هنا ويتعلمون كيفية تشغيل الأسلحة الصينية بأنفسهم”.

ويقول دورسي إن هذا المنشور “لم يشر إلى أن الصين تمتنع أيضا عن ربط شروط سياسية بمبيعات الأسلحة مثل الالتزام بحقوق الإنسان على عكس المنتجين الغربيين”، كما أن الأشهر الأخيرة لم تكن متوافقة بالضرورة مع تطلعات الصين للبقاء بمعزل عن الصراع خارج حدودها، مما يشير إلى أن الواقع على الأرض يمكن أن يعقد حسابات بكين الاستراتيجية.

ويرى أن الانسحاب الأميركي من أفغانستان يهدد بوضع نظام ديني شديد المحافظة في السلطة على الحدود مع شينجيانغ، المقاطعة الشمالية الغربية حيث تحاول الصين إضفاء الطابع الصيني على الهوية العرقية والدينية بوحشية.

وعززت تطورات طالبان العسكرية الأخيرة بالفعل المشاعر الدينية المحافظة المتطرفة في باكستان المجاورة التي تحتفل بالجماعة كأبطال، حيث يعزز نجاحها فرص الحكم الديني المتشدد في ثاني أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان من ذوي الأغلبية المسلمة.

ويقول مسؤول باكستاني كبير “سوف يتشجع جهاديونا. سيقولون إذا كان من الممكن هزيمة الولايات المتحدة، فما هو الجيش الباكستاني حتى يقف في طريقنا؟”.

تحديات آنية

لقي تسعة مواطنين صينيين مصرعهم قبل أيام في انفجار حافلة تنقل عمالا صينيين إلى موقع بناء سد في الجبال الشمالية لباكستان، وهي منطقة أكثر عرضة لهجمات المتشددين الدينيين من القوميين البلوش الذين يعملون من إقليم بلوشستان. وهي مسؤولة عن الجزء الأكبر من الهجمات على أهداف صينية في الدولة الواقعة في جنوب آسيا.

وكانت أعلى خسارة في أرواح المواطنين الصينيين في السنوات الأخيرة في باكستان، أكبر متلق لاستثمارات الطاقة والبنية التحتية المتعلقة بالحزام والطريق الصينية. وتعتبر الصين باكستان مفتاحا للتنمية الاقتصادية في شينجيانغ وجزءا من جهودها لإضفاء الطابع الصيني على المنطقة.

وفي إشارة إلى القلق الصيني، نصحت البلاد الشهر الماضي مواطنيها بمغادرة أفغانستان وأجْلت الأسبوع الماضي 210 مواطنين صينيين على متن رحلة مستأجرة. كما أجّلت الأسبوع الماضي توقيع اتفاقية إطارية بشأن التعاون الصناعي كان من شأنها تسريع تنفيذ المشاريع التي تشكل جزءا من الممر الاقتصادي بين الصين وباكستان.

كما تعقد الحسابات الصينية مع حقيقة أن كلا من روسيا وتركيا تناوران لأسباب مختلفة لتعزيز الهوية التركية في القوقاز والتي من المحتمل أن تكون أكثر تعاطفا مع محنة الأويغور وغيرهم من المسلمين الأتراك.

وقد ترى تركيا في أفغانستان نقطة انطلاق أخرى نحو إعادة إنشاء عالم تركي. وبحسب ما ورد، طلبت تركيا من أذربيجان (التي دعمتها أنقرة في حرب القوقاز العام الماضي ضد أرمينيا) المساهمة بقوات في الوحدة التركية التي ستبقى في أفغانستان بعد انسحاب الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي، لتأمين مطار حامد كرزاي الدولي في كابول.

وتعزز النفوذ التركي بين الأقليات التركية في أفغانستان من خلال المدارس التركية، وزيادة عدد المنح الدراسية التركية، وتدريب أفراد الجيش والشرطة الأفغانية، وشعبية الأفلام والمسلسلات التلفزيونية التركية، والجهود المبذولة للتوسط لإنهاء الصراع في البلاد.

وقد رفضت طالبان استمرار الوجود العسكري التركي الذي كان على مدى السنوات الست الماضية جزءا من مهمة الدعم الحازم بقيادة الناتو. وأصرّت طالبان على أن الجنود الأتراك هم “محتلون في أفغانستان” يجب أن يغادروا مع الناتو والقوات الأميركية حتى لو كانوا ممثلين لـ”دولة إسلامية عظيمة” أيضا.

وأنشأت الصين موقعا عسكريا صغيرا في 2019 في مرتفعات طاجيكستان، تحسبا لتطور يهدد أفغانستان، على مقربة من نقطة يلتقي فيها ممر واخان الأفغاني مع شينجيانغ.

وفي الآونة الأخيرة، أشار وزير الخارجية الصيني وانغ جي لمحاوريه خلال زيارته الأسبوع الماضي إلى آسيا الوسطى إلى أن الشركات العسكرية الصينية الخاصة ستلعب دورا أكبر في تأمين مشاريع البنية التحتية الاستراتيجية المتعلقة بخطّة الحزام والطريق.

واقترح بعض المحللين توظيف الشركات الصينية أيضا لتدريب جيوش آسيا الوسطى في مجال كان حكرا على روسيا إلى حد كبير.

وعلى نفس المنوال، يزيد الانسحاب الفرنسي من غرب أفريقيا من الضغط على الصين للدفاع عن مواطنيها ومصالحها في الخارج. وكان ثلاثة عمال بناء صينيين من بين خمسة أجانب اختطفهم مسلحون في نهاية هذا الأسبوع في جنوب مالي. ولم تعلن أي جماعة مسؤوليتها عن عملية الاختطاف حتى الآن.

ويقول دورسي إن “كل هذا يترك جانبا السؤال عن المدة التي ستشعر فيها الصين بقدرتها على الاعتماد على مظلة الدفاع الأميركية في الخليج لتأمين تدفق الطاقة والكثير من تجارتها على خلفية الالتزام الإقليمي الأميركي المعاد تشكيله والعلاقات المتوترة بشكل متزايد بين واشنطن وبكين”.

ويرى أن ذلك “لا يأخذ في الاعتبار قدرة الصين على إدارة توقعات رغبة الجمهورية الشعبية في المشاركة، في بعض الحالات سياسيا وعسكريا واقتصاديا”.

وكان ذلك واضحا خلال زيارة وانغ الأخيرة إلى المنطقة، ولاسيما سوريا، التي كانت موطنا لجهاديي الإيغور الذين تميزوا في المعركة خلال معظم الحرب الأهلية.

الصين العازمة على استغلال مبدأ العلاقات المربحة للجانبين في المنطقة، عملت على تأخير أو تجنب المشاركة السياسية والعسكرية أو الأحادية في النزاعات خارج حدودها

وزيارة وزير الخارجية الصيني إلى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا هي الثانية في غضون أربعة أشهر. وناقش الوزير الأسبوع الماضي أمن أفغانستان والخليج مع نظيره السعودي على هامش اجتماع تعاون إقليمي في أوزبكستان.

وطالما وصف المسؤولون السوريون الصين، لأسباب داخلية وخارجية، بأنها الفارس الأبيض الخيالي الذي سينقذ إعادة إعمار البلد الذي مزقته الحرب.

وأشار الباحثان أندريا غيزيلي ومحمد السديري إلى أن “الصين أقل اهتماما بسوريا من اهتمام سوريا بالصين.. لم تكن سوريا أبدا أولوية في نهج الصين الذي يحركه الاقتصاد تجاه الشرق الأوسط”.

لكنهما حذرا من أنه “لا يمكن تجاهل التأثير المحتمل الهام للروايات التي أنشأها الفاعلون المحليون في سياق السياسة الدولية”، في إشارة إلى تصور سوريا للصين كمنقذ لها، وهذا ما يدفع الفكرة القائلة إن السياسة الصينية قد تتشكل في المستقبل بشكل متزايد من خلال صنع القرار في بكين مثل التطورات على الأرض في عالم تتنافس فيه القوى لتأمين مصالحها ووضعها في نظام عالمي جديد.

ويعيد دورسي التأكيد على سؤال أساسي طرحه كاتب العمود في الفاينانشيال تايمز جدعون رحمن، بشأن ما إذا كانت الصين تمتلك الإرادة لتصبح قوة عظمى إلى جانب القدرة والطموح.

ويجادل رحمن “إذا كانت الصين غير راغبة أو غير قادرة على تحقيق وجود عسكري عالمي ينافس وجود الولايات المتحدة، فقد تضطر إلى إيجاد طريقة جديدة لتكون قوة عظمى، أو التخلي عن طموحها”.

صحيفة العرب

التصنيفات : اقليمية