ظروف استقبال مريعة تنهك طالبي اللجوء

10 سبتمبر، 2021
61

بعد مرور عام على حريق مخيم موريا، الذي أدى إلى تشرّد آلاف اللاجئين، قدمت السلطات اليونان وعودا بتغيير ظروف حياتهم، فماذا تحقق إلى الآن؟

دانا البوز

 تسير نداء بخطى ثابتة غير آبهة بالسيارات المسرعة التي لا تبعد عنها سوى أمتار قليلة، بينما ترتفع الحرارة والرطوبة وتشتد أشعة الشمس الحارقة لتزيد من صعوبة مهمة الشابة السورية في الوصول إلى مركز مدينة ميتيليني، عاصمة  جزيرة ليسبوس اليونانية.

“لا أعلم متى تأتي الحافلة التي تقلنا إلى وسط المدينة، لربما عليّ السير لأكثر من 40 دقيقة كي أصل إلى وجهتي”، تقول لمهاجرنيوز الشابة التي بالكاد تبلغ 20 عاما، لكنها عازمة على إكمال طريقها، فهي لا تستطيع الخروج من المخيم الذي تقيم به سوى يومين في الأسبوع ضمن أوقات محددة.

على سفح جبل يطل على البحر المتوسط، تتوزع مئات الخيام البيضاء والغرف مسبقة التصنيع لتشكّل ما يسمى  مركز الاستقبال والتوجيه  أو مخيم “كاراتيبي 2″، الذي أنشأته السلطات على عجل بعد أن أتى حريق على مخيم موريا دمره بالكامل حيث كان يتجاوز عدد قاطنيه 12 ألف طالب لجوء بينهم الكثير من العائلات والأطفال.

“أذكر تماما تلك الأوقات المرعبة عند اندلاع الحريق، أمضيت برفقة زوجي أيام عدة في الشارع قبل أن يجعلوننا ننتقل إلى هذا المخيم الجديد”. وعلى مدى الأشهر الماضية تتشارك نداء وزوجها خيمة صغيرة مع  عائلة سورية  أخرى، “المكان ضيق للغاية وننام جميعا مع شخصين وطفلتهما التي يبلغ عمرها حوالي العام”.

انعدام الخصوصية والشعور بعدم الأمان

في هذا المخيم الذي يستقبل أكثر من 3500 شخص، تتلاصق الخيام ببعضها البعض. وفي كل خيمة أو غرفة مسبقة الصنع تعيش أكثر من عائلة، إلى أن بات الضجيج ومشاركة الحياة مع الآخرين مجرد تفصيل من حياة يومية تنهك قاطني هذا المخيم. فضلا عن ذلك، الكهرباء لا تتوفر بشكل دائم والمرافق الصحية غير كافية.

تقول نداء التي غادرت مدينتها دير الزور منذ عامين، “الوقوف في الطابور والانتظار هو خطوة إجبارية قبل الحصول على أي شيء في هذا المخيم. انتظار لدخول المرحاض أو للاستحمام أو للحصول على الطعام، وحتى من أجل الخروج من المخيم”.

تحمّل الظروف المعيشية  هو “أمر مستحيل”، بحسب تعبير لور جوحكيم الطبيبة ومديرة العمليات لدى منظمة “أطباء بلا حدود”. المهاجرون يصلون إلى اليونان محمّلين بهموم وصدمات كبيرة، “بدلا من أن يتم استقبالهم وتأمين أدنى حاجياتهم الأساسية، يُجبرون على العيش في مخيمات مغلقة أشبه بمراكز احتجاز”.

يحاول الأشخاص إيجاد حلول للتأقلم، بينما يشعر معظمهم بانعدام الأمان. “الكثير من اللاجئين يتوقفون عن شرب المياه بعد الساعة السادسة مساء حتى في أيام الصيف الحارة، وذلك كي لا يضطروا إلى الخروج ليلا من خيمتهم والذهاب إلى الحمامات”، الأمر الذي يؤدي إلى زيادة احتمالية تعرضهم لالتهابات بولية.

الظروف المعيشية السيئة تزيد من تدهور وضع الأشخاص الصحي

عدم الشعور بالأمان يشكّل مشكلة كبيرة بالنسبة للاجئة السورية فلق التي تقطن مع والدتها في المخيم، “يستطيع أي شخص الدخول إلى الخيمة وسرقة أغراضنا. لا أثق بالشرطة لأنهم يتعاملون معنا بعنف ولا يستمعون إلينا، وأشعر في الكثير من الأحيان بالخوف لاسيما وأننا نعيش وحدنا في هذه الخيمة وأمي لديها مشاكل في ظهرها ولا تستطيع المشي بسهولة”.

منذ حريق موريا والانتقال إلى المخيم الجديد، تعرضت الشابة التي تبلغ 21 عاما لتدهور في حالتها النفسية، “باتت تنتابني نوبات قلق بشكل مستمر. كنت أشعر أحيانا بأن هناك من يريد مهاجمتي”. خضعت الشابة للعلاج في المستشفى، “حاليا أشعر بتحسن، لكني لا أزال أتناول أدوية تساعدني على النوم”.

عدم الشعور بالأمان وسوء نظافة المرافق العامة دفع فلق إلى إيجاد حل بديل من أجل الاستحمام، “في أغلب الأوقات أضطر إلى تنظيف نفسي وتدبير أموري داخل خيمتي، كي أتجنب الذهاب إلى أماكن الاستحمام المتسخة”.

بعد مرور عامين على وصولهما إلى ليسبوس، حصلت الشابة ووالدتها أخيرا على حق اللجوء وقُبل ملفهما في برنامج إعادة التوطين، ” قرروا نقلنا إلى إيطاليا رغم وجود أخوة لي في ألمانيا”. في كل الأحوال، تأمل الشابة الخروج من هذا المخيم إلى أي مكان تشعر فيه بالاستقرار، “نحن نشعر بالتعب”.

ضغوطات نفسية يتعرض لها اللاجئون في المخيم

الضغوطات التي يتعرض لها اللاجئون بشكل يومي وعلى مدى فترة طويلة قد تستمر لعامين أو أكثر، تؤثر بشكل كبير على وضعهم الصحي وتزيد من تدهور حالتهم النفسية والجسدية. وتوضح الطبيبة لور أنه “إلى جانب التوتر المستمر الذي يرافق اللاجئين، فإن حالتهم الجسدية تزداد سوءا. نلاحظ الكثير من الأشخاص الذين يعانون من الصداع المستمر ومشاكل في المفاصل، أو عسر في الهضم وأمراض أخرى تظهر عليهم ناجمة عن التوتر”.

كما أن العيش في هذا المكان يجعل الأشخاص في مواجهة مستمرة أمام ذكرياتهم الأليمة، “تواجدهم قرب البحر يذكرهم برحلة العبور الخطرة، كما أن الأسلاك الشائكة والتواجد الدائم للشرطة يسبب التوتر لأشخاص تعرضوا للتعذيب في بلدهم الأم”.

مخيم مؤقت أم دائم؟

الحكومة اليونانية كانت وعدت بإجلاء الأشخاص من هذا المخيم بحلول نيسان/أبريل الماضي إلى مخيم جديد، في بلدة كالوني على بعد حوالي 40 كم من ميتيليني، وأن توفر لهم ظروف العيش الكريم. إلا أن السلطات لم تلتزم بخطتها المعلنة.

الناشط اليوناني بابيس بيتسيكوس في جمعية “تضامن ليسبوس” (Lesbos Solidarity) ينتقد السياسة التي تتبعها الحكومة في التعامل مع اللاجئين. “الأشخاص أمضوا الشتاء الماضي في هذا المخيم، ومن الواضح أنهم سيجبرون على إمضاء الشتاء القادم أيضا في هذه الظروف السيئة”.

وأشار بابيس إلى أن الأرض التي شيّد عليها المخيم كانت منطقة عسكرية سابقا وميدان رماية، لذلك “من الممكن مثلا أن يجد الأشخاص هناك رصاصات فارغة. طلبنا من الدولة باستمرار تحليل نسبة الرصاص في التربة لكنهم لم يستجيبوا لطلبنا”. ووفقا للحكومة، فإن عينة واحدة فقط، من أصل 12 تم إجراؤها من جزء غير مأهول من المخيم، تظهر تركيزا للرصاص أعلى من “المعايير الدولية”، دون إعطاء مزيد من التفاصيل.

هل سيتحول المخيم المؤقت الى مكان اقامة دائمي؟

لا يستبعد بابيس أن يتحول هذا المخيم إلى مكان إقامة دائم لاستقبال طالبي اللجوء الوافدين إلى الجزيرة، موضحا “المخيم في توسع مستمر ولا تزال أعمال البناء جارية، ونلاحظ تركيب خيما جديدة بشكل دائم. لا يبدو أنه مجرد موقع مؤقت”.

أما بالنسبة للمخيم الجديد المرتقب، فلا تزال هناك تحديات عدة. حاليا توجد مشاكل حول شركات البناء التي ستتولى هذه المهمة، كما أن السكان المحليين غير راضين عن هذه الفكرة.

يقول الناشط “الحكومة اختارت الموقع الأكثر عزلة لبناء مخيم جديد بعيدا عن أعين السكان، بجانب مكب نفايات. ذلك يظهر كيف أوروبا تستقبل اللاجئين. طلبنا من الحكومة توفير قائمة لمعرفة المخاطر البيئية المتعلقة بموقع البناء ولكن لم نحصل على أي رد حتى الآن”. لا توجد طرقات جيدة للوصول إلى هذا المخيم الذي يقع وسط الغابة ولا تتوفر مواصلات عامة، “إذا وقع حريق، لا يمكن السيطرة عليه وستلتهب الغابة بأكملها”.

وعادة يستغرق بناء هذه المخيمات أعوام عدة. في ساموس مثلا مضت 4 أعوام منذ إعلان الدولة عن تشييد مركز استقبال المهاجرين.

الحكومة لاتريد المزيد من اللاجئين

الحكومة تقدم وعودا للسكان بأنه لن يبقى في المدينة طالبي لجوء، لكن في ذلك الخطاب نوع من التناقض “الدولة تقول إنها لا تريد المزيد من اللاجئين في ليسبوس ولكنها في الوقت نفسه لا تساعدهم على إنهاء إجراءاتهم، فيبقوا عالقين لأشهر أو حتى سنوات بانتظار انتهاء ملفاتهم”. ويختم بابيس قائلا “السياسة المتبعة حاليا تقوم على أساس ترك المهاجرين في وضع مريع على الجزر لردع الآخرين من القدوم”.

دانا البوز / موفدة مهاجرنيوز إلى جزيرة ليسبوس اليونانية

التصنيفات : تحقيقات