مقدمة في الحاجة الى منهج جديد للتفكير

10 سبتمبر، 2021
107

رياض العلي

اساس كل تقدم علمي وحضارة منهج يساعد على بناء أسس متينة تتسم بالتغيير والحيوية وعدم الجمود والانغلاق وهذا المنهج يخص طرائق التفكير والبحث العلمي ويتميز بالنزعة التكذيبية والنقدية لذا فأن فهم اسباب ظهور التنوير الاوربي الذي اعقبه تقدم في كل جوانب الحياة يتحتم علينا ان نفهم التغييرات التي حصلت في انماط التفكير الاوربي والذي أنتشر في كل مكان بشكل نسبي بحسب درجة تقبل المجتمعات لهذه المناهج الجديدة.

منذ ان تم ابتكار المنطق بالشكل الصوري الارسطي اتسق منهج التفكير الانساني لقرون عديدة في نسق معياري واحد للتفريق بين الخطأ والصواب في الافكار المطروحة وكذلك لتحديد الفرق بين التفكير السليم والتفكير السقيم والقواعد المنطقية هذه كانت تسمى في وقتها بالاورجانون التي تعني الاداة فأي موضوع في هذا العالم لا ياخذ صحته وسلامته من داخله وأنما بناءا على صحة قضايا اخرى خارجية ويسمى هذا بالقياس.

 وقد اخذ اللاهوت الديني الكثير من هذا المنطق ليبرهن على مقولاته العامة والخاصة حيث دخل حتى في مجال الاحكام الفرعية التفصيلية بالاضافة الى القضايا الكونية الكبرى لتتشكل فيما بعد مفهوم اليقين المطمئن المريح للعقل، وكذلك دخل المنطق في النحو اللغوي عند العرب فجعله غامضاً صعباً لايفهمه او يستوعبه حتى الدارسون له.

والغريب جدا ان ارسطو كان مرفوضاً في المؤسسات الدينية الرسمية الاسلامية والمسيحية حتى ظهر تيار الرشدية الذي ادخل المناهج المنطقية والميتافيزيقية في الدراسات الدينية بفعل اسهامات توماس الاكويني الذي يعد اكبر مروج لافكار المنطقية الارسطية في العالم وكان يعد ارسطو احد القديسيين.

فالمنطق هو جهد عقلي داخلي محض يعمل على القياس ويربط بين السبب والنتيجة من خلال توافقات عقلية ولاعلاقة له المؤثرات الحسية.

 واليقين المنطقي لايمكن دحضه الا بناءاً على تصورات منطقية مشابهة اغفل عنها التصور الاول او لأن التصور الاول لم يكن موفقاً ومن يتابع الحوارات الجدلية في كتب التراث يجد الكثير من هذا الاجابات المنطقية على الاسئلة التي تثار من قبل الانسان والتي تتم دحضها بتصوات متقابلة والكل يخرج رابح وخاسر في نفس الوقت بدون ان يكون ثمة حكم خارجي يحكم على صحة كل تصور.

لكن ومع بدء عصر النهضة لم يعد المنطق التصوري قادر على مواكبة التغييرات التي حدثت في اوربا لذلك أخذ فرانسيس بيكون على عاتقه تأسيس منهج جديد في الفكر الانساني سمي بالمذهب التجريبي ولكن قبل الحديث عن هذا المنهج لابد لنا ان نعرج على منهج ديكارت القائم على الشك والبداهة والاستنباط.

 كتاب (مقال في المنهج)  لديكارت قلب التفكير الانساني ورمى حجر كبير في المياه الراكدة حيث لم يعد الانسان يقتنع بالاجابات المنطقية التي تقدم له طمأنينة كاذبة ملفقة ترضي العقول الجامدة لكنها تمثل قلقاً مستمراً للعقل الذي ينظر الى الواقع بدون ان يكون للاقدم فضل على الاحدث، فالشك المنهجي لابد منه ليتمكن الانسان من الوصول الى الحقيقة فالعقل المنطقي هو عقل كبير وعملاق لكنه حينما يتم تطبيقه على الواقع العملي يتقزم ويختبئ خلف صخرة اليقين الصلبة الجوفاء بينما العقل المتشكك هو عقل يسير بخوف وتمهل وقلق كي يصل الى تلك الصخرة ويحطمها ويفتتها كي يستطيع العبور الى الجانب الاخر من الطريق.

فتح ديكارت بوابة العقل الانساني امام الانغلاق المنطقي ورسم منهجاً جديداً يتسم بالكثير من الواقعية والارتباط بحركة الحياة والتطورات التي بدأت تغير من نمط معيشة الانسان الاوربي الطامح الى اكتشاف العالم وترويض الطبيعة بدلاً من الاستسلام لها والخضوع للخوف البشري من المجهول.

ويمكن القول ان جنوح الفكر الاوربي نحو التفكير العقلاني كان السبب في شيوع نزعة التفوق العرقي وانتشار الجيوش الاوربية في كل انحاء العالم بعد ان ظهرت نتائج التفوق الصناعي والتقني في كل المجالات.

 ساعدت براعة ديكارت في الرياضيات والهندسة التحليلية في صياغة منهج جديد للبحث التجريدي يخالف المنهج المنطقي والذي تجلى بشكل واضح في قواعده الاربع الاتية :

1- يجب ان لا اقبل شيئاً قط على انه حق ما لم يتبين لي بالبداهة العقلية أنه كذلك ويجب أن لا احكم على الاشياء الا بما يتمثله ذهني في وضوح وتميز ينتفي معهما كل سبيل الى الشك

2- ان اقسم كل واحدة من المشكلات التي ابحثها الى اجزاء كثيرة بقدر المستطاع وبمقدار مايبدو ضرورياً لحلها على احسن الوجوه.

3- أن ارتب افكاري فابدأ بالامور الاكثر بساطة وايسرها معرفة حتى اصل شيئا فشيئا او بالتدريج الى معرفة اكثرها تعقيداً مفترضاً ترتيباً حتى لو كان خيالياً بين الامور التي لايسبق بعضها بعضاً.

4- ان اعمل في جميع الاحوال من الاحصاءات الكاملة والمراجعات الشاملة ما يجعلني على ثقة من انني لم اغفل شيئا.

لكن الكوجيتو الديكارتي وجد من يدحضه في العصر الحديث من خلال فلسفة جان بودريار في كتابه (التشبيه والمحاكاة) وأن كان بطريقة غير مباشرة فالانا التي اخرجها ديكارت من دائرة الشك ادخلها بودريار في صلب الشك نفسه من خلال نقده للعلامات البنيوية والواقع المفرط او المزيف ومن الطريف في فلسفة بودريار انه يمكن فهمها بشكل افضل من خلال فيلم (ماتريكس ) الجزء الاول بالتحديد حتى ان المخرج عمد على وضع نسخة من كتابه في مشهد له دلالة واضحة .

فلسفة ديكارت العقلية قدمت للانسان السبيل للحياة الجديدة التي بدأت ملامحها تظهر في عصر النهضة غير انه كان لا يعطي للحواس القدر الكامل من الاهمية بقدر مايعطي للعقل .

لذلك كان الانسان بحاجة الى نمط بحثي تجريبي لايأخذ بالمقدمة والنتيجة والحتمية المطلقة والمسلمات الجاهزة بل ان يخضع كل شئ الى الفحص والتحليل والاختبار والتجربة ليتسنى الوصول الى الحقيقة العلمية النسبية وفي كل المجالات سواء في التاريخ او علم النفس او الاحياء او الاقتصاد وحتى في مجال الدراسات النقدية الادبية.

هذه المناهج الجديدة في البحث والتفكير كانت ضرورية جداً لأن المناهج القديمة لم تعد قادرة على الاجابة وتقديم الحلول لمشكلات العصر الحديث لذا لابد من ايجاد منهج وطريقة جديدة وهذا هو اساس وبنية الثورات العلمية كما ذهب اليه توماس كوهين والذي اسماه بتحول النموذج او البارادايم بحسل المصطلح اللاتيني.

والتحول الجديد كان جعل القوانين العلمية قابلة للتكذيب والتصديق معاً فلم يعد ثمة قانون علمي يملك الحقيقة المطلقة التي لا تقبل الدحض والتفنيد بل ان نسبية العلم وقابليته للتكذيب هي التي سحبت البساط من الاحكام المسبقة والقواعد المنطقية الثابتة فليس كل من سار على الدرب وصل ولا كل من طلب العلم سهر الليالي فالاشياء لم تعد تقاس على هذا النحو المنطقي القديم.

 ومع أن ديكارت وجه ضربات قوية للمنطق الارسطي وقياسه الا ان الفضل يعود الى فرانسيس بيكون الذي تنبه الى انه من الخطأ ان يتم الاعتماد على هذا المنطق في فهم العالم والانسان .

ويمكن القول ان المنهج التجريبي بدء مع فرانسيس بيكون الذي تبنى مفهوم الشك ليصل الى اليقين العلمي عن طريق الملاحظة والتجريب من خلال المنهج الاستقرائي الذي مثل نقلة نوعية في البحث العلمي، يقول بيكون في كتابه ( الاورجانون الجديد) :  ” إذا بدأ الأنسان من اليقينيات سوف ينتهي بالشك، لكنه إذا بدأ بالشك سوف ينتهي إلى اليقينيات “.ويبدو الفرق واضحاً بين بيكون وديكارت

فبيكون كان يهدف من منظور ديكارت إلى انقاذ علم الطبيعة في أوروبا من إهمال المشاهدات العلمية والحسية، والعملية التجريبية ليؤكد بأن المعرفة هي حسية أكثر منها عقلية. في حين أن ديكارت يرى بأن المعرفة الصحيحة واليقينية تعتمد على منهج دقيق، وليس هناك أدق من المنهج الرياضي لذا أراد أن يؤسس للمنهج الرياضي بغية تجنب الخطأ الذي قد يتسرب إلى المجال العلمي لذا يوصف منهجه بالمنهج العقلاني وتأثيرات النهضة العلمية التي بدأت في انكلترا واضحة على ماذهب اليه بيكون .

ويذكر في هذا الصدد ان أول من أدخل منهج الشك الديكارتي الى الفكر العربي كان طه حسين من خلال تطبيق هذا المنهج على الدراسات النقدية في الادب العربي القديم ولكن محاولته تلك جوبهت بمعارضة شديدة من قبل المؤسسة الدينية التي رأت ان هذا المنهج كفيل بهدم الكثير من الاسس المنطقية التي قامت عليها الافكار اللاهوتية من خلال علم الكلام واصول الفقه وطرق تدريس العلوم الدينية لذلك اضطر طه حسين للتراجع في موقف غريب منه غير متأسيا بتضحيات اساطين التنوير الاوربي .

وفي العراق كان للعلامة الوردي دوراً مهماً في ادخال المناهج الحديثة القائمة على الملاحظة والتجريب في الدراسات الاجتماعية واللغوية والادبية والتاريخية ونبذ المنطق الارسطي الذي مازال مهيمناً على نمط التفكير العراقي بشكل خاص والعربي عموماً، وما يعيب على منهج الوردي هو تأثره الشديد بمنهج ابن خلدون واستعارته للكثير من نظرياته التي بثها في مقدمته وان الوردي اخذ نماذج معينة من المجتمع والتاريخ كي يبرهن على صحة نظريته التي بشر بها والقائمة على التناشز الاجتماعي والصراع بين القيم البدوية والريفية وبين المدنية الحديثة ولكون الوردي لم يعمد الى اختيار المناهج المادية التاريخية الماركسية وكذلك عدم تعميمه دراسة الشخصية على الفرد العربي فقد خاصمه الشيوعيين والقوميين على حد سواء اضافة الى المثاليين الاسلاميين الذين وجدوا في طروحاته ما يهدم اراءهم العقائدية الايديولوجية الثابتة .

فأذا كنا غير قادرين على ايجاد منهج فلابد من الاستعانة بالمناهج التي اكتشفت في العالم خاصة  اننا قد استعملنا هذه المناهج المستوردة كما حدث مع المنطق الاسكولائي لأن الجمود الفكري والانغلاق الحضاري سيؤدي بنا الى كارثة يكون وقعها اشد مما نحن فيه الان.

التصنيفات : فلسفية وفكرية