في ظل جائحة كورونا.. تصاعد نسب التضخم الاقتصادي في الأسواق العربية أكثر من غيرها

20 سبتمبر، 2021
1117

إبراهيم محمد

تشهد الدول الصناعية موجة تضخم وارتفاع أسعار يزداد خطرها على الادخارات والقوة الشرائية والاستقرار الاقتصادي. لماذا تتأثر الدول العربية بذلك أكثر من غيرها؟ وما السبيل الأفضل للحد الارتفاع المستمر في أسعار السلع الأساسية؟

على خطى جائحة كورونا تشهد غالبية دول العالم منذ اندلاع الجائحة موجة تضخم وارتفاع أسعار تطال الكثير من السلع بنسب متباينة وفي مقدمتها سلع أساسية كالأغذية ومواد البناء. وقد وصل هذا الارتفاع على سبيل المثال إلى معدلات تجاوزت 30 بالمائة على صعيد المواد المذكورة 15 إلى 20 بالمائة للخضروات والحبوب.

وقد وصلت معدلات التضخم العالية إلى القسم الأكبر من الدول العربية خلال العام الماضي 2020. ويتوقع صندوق النقد الدولي معدلات تضخم في مصر والجزائر وتونس والسودان بنسب تتراوح بين 6 وأكثر من 10 بالمائة هذه السنة. وفي الدول العربية التي تعيش أزمات سياسية أو حروب مثل اليمن وليبيا، فيتوقع الصندوق نسب تضخم تتراوح بين 18 و 31 بالمائة. أما في لبنان وسوريا فقد وصل التضخم إلى مستويات مفرطة تراوحت بين 50 و 100 بالمائة خلال السنة الماضية 2020 على صعيد السلع التي لا تدعمها الدولة أو رفعت عنها الدعم.

تضخم تؤجج ناره البنوك المركزية

أدى توقف وانقطاع سلاسل التوريد العالمية ونقص الإمدادات وتوقف الكثير من المؤسسات جزئيا أو بشكل كامل عن العمل لأشهر طويلة بسبب جائحة كورونا إلى تراجع الإنتاج والعرض وارتفاع الأسعار التي يزيد من حدتها ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين والمواد الأولية والوسيطة.

وقد صب استمرار البنوك المركزية منذ الأزمة المالية العالمية في اتباع سياسة التيسير النقدي بفوائد لا تتجاوز 0.5 بالمائة الزيت على نار هذه الأسعار التي تدفع الشركات والأفراد إلى الهروب من الادخارات في البنوك لأن الأخيرة تفقد من قيمتها على ضوء معدلات التضخم وانخفاض الفائدة.

وهو الأمر الذي زاد من الطلب على العقارات والسلع الثمينة بشكل أدى إلى ارتفاع مستمر في أسعارها. وزاد من الضغوط التضخمية ضخ البنوك المركزية الغربية تريليونات من الدولار لدعم ومساعدة الشركات والأفراد المتأثرين بالجائحة في وقت ما يزال فيه الإنتاج دون مستوى ما قبل الأزمة، ناهيك عن العراقيل المتزايدة في وجه التجارة العالمية بسبب السياسات الحمائية والحروب التجارية.

تقلبات الأسعار العالمية والأسواق العربية

ضرب التضخم زيادة الأسعار القسم الأكبر من الأسواق العربية بقوة كونها من أكثر أسواق الدول النامية ارتباطا بالتجارة العالمية التي ارتفعت تكاليفها. وهو الأمر الذي يعكس اعتماد غالبيتها في توفير سلعها الأساسية على الاستيراد بنسبة تزيد على 50 بالمائة. وقد أدى تراجع أسعار النفط والمواد الأولية التي تشكل ما يزيد على 70 بالمائة من الصادرات إلى ارتفاع العجز المزمن في الموازنات الحكومية والموازين التجارية، إضافة إلى تراكم المديونية التي زاد حجمها في بلد كلبنان مثلا على 150 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي. في حين وصلت هذه النسبة إلى نحو 90 بالمائة في الأردن خلال العام الماضي حسب مؤسسة التجارة الخارجية والاستثمار الألمانية. وهو الأمر الذي قلص من الاحتياطات النقدية بالعملات الصعبة وأدى إلى تراجع قيمة العملة الوطنية كما هو عليه الحال أيضا في بلدان كالعراق والجزائر.

وفي تونس أدى تراجع السياحة كأحد القطاعات الرئيسية في البلاد بشكل دراماتيكي إلى نتائج مماثلة. أما دول الخليج فقد اضطرت إلى زيادة سحوباتها من احتياطاتها المالية لسد العجز في موازناتها والاستمرار في دعم أسعار السلع الأساسية ولو بشكل أقل من قبل لمنع تدهور القوة الشرائية. وفي الدول العربية الأخرى شهدا هذا الدعم تراجعا أكبر بحيث أضحى متركزا على الخبز والزيت والأرز.

هل التضخم الحالي مؤقت بالفعل؟

يحلو لسياسيين كثر في الغرب كالرئيس الأمريكي جو بايدن القول أن موجة التضخم الحالية مؤقتة وأن للبنك المركزي كامل الصلاحية في اتخاذ الإجراءات التي يراها ضرورية من أجل كبح جماح ارتفاع الأسعار وضمان تعاف اقتصادي مستدام. غير أن خبراء كثر يخشون من سوء تقدير البنوك المركزية الغربية لحجم المشكلة كما حصل في سبعينات وثمانينات القرن الماضي على حد قول هنريك مولر، الكاتب الاقتصادي بموقع “شبيغل- أونلاين” الألماني.

وقد أدى سوء التقدير هذا إلى وصول نسب التضخم حينها إلى 20 بالمائة. ويزيد من مخاوف تكرار سيناريو مشابه في الوقت الحالي ارتفاع المديونيات الحكومية إلى مستويات مقلقة في الولايات المتحدة ودول رئيسية في منطقة اليورو مثل إيطاليا وإسبانيا. كما يزيده تخبط النخب السياسية الأمريكية والأوروبية في سياساتها الاقتصادية على ضوء الانقسامات المجتمعية التي تزداد حدة وصعود اليمين المتطرف إلى الكثير من البرلمانات وتشكيله معارضة قوية أو مشاركته في تشكيلة حكومات عديدة. وهو أمر يزيد من مخاطر خروج التضخم الحالي عن السيطرة بشكل يهدد بوقوع أزمات اقتصادية جديدة يصعب التنبؤ بتبعاتها الكارثية في ظل استمرار تبعات كورونا والتنافس الاقتصادي الذي تشتد حدته بين الغرب والصين. على ضوء ذلك يبدو أن الوقت قد حان لتدخل البنوك المركزية الغربية من أجل رفع سعر الفائدة واتخاذ الإجراءات اللازمة للحد من المخاطر القائمة قبل فوات الأوان.

مواجهة التضخم في العالم العربي

أما مواجهة التضخم والحد من ارتفاعه في العالم العربي فمسألة أكثر تعقيدا، لأنه مرتبط بضعف بنية الإنتاج والخدمات المحلية والاعتماد على الاستيراد وقلة مصادر الدخل أو هيمنة عائدات النفط الخام عليها أكثر من ارتباطه بالسياسات المالية. ومن هناك فإن ارتفاع الأسعار في الأسواق العالمية ينعكس بشكل مباشر وأقسى على الأسواق العربية التي تعاني هي الأخرى  من تراجع القوة الشرائية وارتفاع معدلات البطالة وغياب الحد الأدنى العاملين لدى الدولة التي ما تزال رب العمل الأول والرئيسي في العالم العربي. وعلى ضوء ذلك فإن  السبيل الأنسب للحد من التضخم  يكمن في تنويع بنية الإنتاج المحلي وتعزيزه بشكل يتزامن مع تغيير في العادات الاستهلاكية التي تستنسخ نماذج الاستهلاك الغريبة عن المجتمعات العربية.

وعلى ضوء تجارب دول المزدهرة مثل ألمانيا فإن مثل هذا التنويع ينبغي أن يكون بشكل أساسي من مهام القطاع الخاص شريطة دعم شركاته، لاسيما الناشئة منها ورعايتها ومواكبتها ورفدها بالكفاءات المدربة والقروض الميسرة ومراقبتها من قبل مؤسسات الدولة المعنية. وينبغي لهذه المراقبة أن تتم في إطار قوانين وإجراءات تكفل تكافؤ الفرص على صعيد المنافسة وتمنع الاحتكار والتحكم بمفاتيح الاقتصاد أيا كانت الجهة التي تحاول القيام بذلك.

ومما لا شك فيه أن السبيل للوصول إلى تجاوز ضعف بنية الإنتاج المحلي صعب وطويل، غير أنه بلا شك الأفضل لتنمية مستدامة واقتصاد متوازن أقل تأثرا بالأزمات أيا كان نوعها ومصدرها.

التصنيفات : اقتصادية