إضاءة نقدية لقصيدة يحيى السماوي: أنكيدو الشهيد الحي والحي الشهيد

20 سبتمبر، 2021
1099

هشام مصطفى

الشاعر الكبير قيمة وقامة يحيى السماوي. لعلّ من المغامرة محفوفة المخاطر أن يتصدى أحد لشعرك وقد تتعدد الأسباب إلاّ أن ما يمكن قوله وإقراره أنه متجدد أبدا، ما تراه اليوم قد ترى أعمق منه غدا، وما تعتقد في فهمك للأدوات وقدرة التحكم في جمع محمولاتها فإنك ستجد الحاجة إلى كثير من العمل مع إعادة الرؤية ولعل ذلك هو مكمن المخاطرة عذرا لهكذا إطالة بدأت بها إلاّ أنها من قبيل الاعتذار إن حاد الفهم وتبعثرت القراءة إلا أننا يمكن أن نمسك خيطا يلملم لنا خريطة العمل. فالعمل يعتمد على السردية والسردية قائمة على الثنائيات الزمانية والمكانية والإنسانية أو الشخوص وأما من حيث الزمانية فقد كنت محددا في قولك (قبل أن) ما جعل الأزمنة متشابكة يتطلب منك السير بحذر كونها تتقاطع بباقي الثنائيات وثنائية الأزمنة أتبعها ثنائية الشخوص بين الأنا (ذات الشاعر) والأنت أو الهو (ذات المدلول لدال نرسيس) ولا أخال أن الشاعر قصد ثنائية الداخلية لذات الشاعر التي تحمل الشيء ونقيضه ليصبح المكان ثنائياً أيضا بين الفردوس (فثمة فردوس يبحث عنه الشعراء) وبين واقعية الذات المنفلتة والبحث الدائم عن هذه الفردوس هو ما أنشأ الصراع وطوره في إطار الجدلية الداخلية سواء في بداية الفعل أو التطور أو النتيجة كان هذا الصراع منشؤه التصادم بين الأنا والهو في تجليات البحث والاكتشاف ولعل ذلك يفسر دال التضاد أو المقابلات وتتابع هذه الظاهرة في هذه القصيدة فالتضاد أو ما عبر عنه بالطباق وحده يعادل الصراع ومن هنا تأخذ محمولات ثنائية المكان عنف ذلك الصراع ونتائجه لتنصهر الثنائيات مكونة التصاعد الدرامي وذلك من خلال الديالوج (الحوار الخارجي) والمونولوج (الحوار الداخلي) وهذه ثنائية أخرى فالنص يقوم على مراحل ثلاث كانت على التوالي (الزمن الماضي) وهو الارتداد من الزمن الآني أو زمن التكلم (قـبـلَ أنْ أكـفـرَ بـالـعـشـقِ وأوروكَ و” إيـنـانـا “) فزمن التكلم هو الانعتاق من الزمن الماضي وعنوانه التخلي أو الكفر يرتد منه الشاعر إلى زمن ماضٍ بعيد وهو بداية الصراع ومنشؤه (أتـى) وأصبح لزاما على الشاعر إعداد مسرح الصراع ليشمل باقي المقطع بالتأسيس على محمول الفعل (فـأولـمـتُ):

قـبـلَ أنْ أكـفـرَ بـالـعـشـقِ وأوروكَ و” إيـنـانـا

 ” أتـى فـي غـفـلـةٍ مـن فـرحـي الأخـضـرِ ” نـرسـيـسُ ” (1)

 فـأولـمـتُ لـهُ دِنّـاً مـن الـشِـعـرِ

ومَـزّاءً مـواويـلَ عـن الـعـشـقِ الـذي يُـشـفـي

ويُـحـيـي ويُـبـيـدْ

وعـن الـسـبـعـةِ أنـهـارٍ مـن الـخـمـرِ الـبـتـولـيِّ الـعـنـاقـيـدِ

وزهـرِ الـلـوزِ والـريـحـانِ فـي الـوادي الـبـعـيـدْ

والـشـذا الـنـاضـحِ مـن خـصـرٍ ومـن صـدرٍ

وخـدَّيـنِ وجـيـدْ

وفـمٍ يُـشـجـي الـتـسـابـيـحَ إذا غـنّـى

ويُـغـوي الـنـايَ بـالـعـزفِ..

وسـاقَـيـنِ إذا ســارا عـلـى أرصـفـةِ الـدربِ

فــفـي الـسَّـمـعِ كـإيـقـاعِ نــشــيــدْ

وهـيَ الـحِـكـمـةُ والـفِـطـنـةُ والـرِّقـةُ

والـرأيُ الـسـديـدْ

وهذه المرحلة هي مرحلة وصفية لمسرح الحدث تعتمد على الداخل والخارج لشخصية واحدة وهي الأنا الموزعة بين المكان وأثره والحدث ومكنونه لذا فبنية الجملة المستخدمة جملة فعلية صادرة من الأنا (أولمتُ) ما يجعل محمول الحدث يبدأ من الثابت الماضي المقرر وفاعله الذات ومفعوله المتغير والمتنوع ليشمل تأثيرات الفعل في أماكن متنوعة لتنتهي بالجملة الإسمية هي وتبدأ المرحلة الثانية بفعل أيضا لكن فاعله خارجي (لعب) ونتائجه أو تطوره أو مردوده الفعل الداخلي فاعله الأنا فيكون الحدث من الخارج للداخل ليرتد من الداخل للخارج وتتصاعد الدرامية معه (لعب / تحدثت) والتحدث محوره (إينانا / أوروك / غزالات / فراخ / صبّ) والتنوع في التحدث يلائم المتحدث عنه فالأسطورة تلزم الذكر لكونها محمولا بذاته والرمز (الغزالات والفراخ والصبّ) يلزمهم التفصيل وذلك في إطار المنولوج ليعكس الحالة لتكون تناقض ما سيلي الحالة الأخرى بناء على الديالوج بين الأنا والهو / الأنت (نرسيس) والسؤال أحقا رمزية نرسيس هي محمول على الأسطورة أم على الوجه المظلم للأنا وهي وسواء أكان هذا أم ذاك فهو سيتطلب الحوار المبني على فعل قال بفاعليه الهو والأنا وهي المرحلة الثانية من التصاعد الدرامي:

لَـعِـبَ الـعـشـقُ بـرأسـي

فـتـحـدثـتُ عـن الـمـعـصـومـةِ الـعــيـنـيـنِ ” إيـنـانـا

” وعـن مـيـلادِ أوروكَ الـجـديـدْ

والـغـزالاتِ الـتـي تـسـرَحُ تـرعـاهـا ذئـابٌ.. (2)

وفِـراخٍ لـلـعــصـافـيـرِ بـأحـضـانِ الـشـواهـيـنِ..

فـلا سَـهـمٌ وقـوسٌ وطِـرادٌ وطـريـدْ

وعـن الـصَّـبِّ الـفـراتـيِّ / الأسـيـرِ / الآسِــرِ / الـزاهـدِ /

والـمـاجِـنِ والـعـاقِـلِ / والـمـجـنـونِ / والـحُـرِّ /

 الـسـجـيـنِ الـسـائـحِ الـجَـوّابِ / والـكـهــلِ الـشـريـدْ

حـارسِ الـخِـدرِ / الـوديـعِ / الـشـيـخِ /

والـطـفـلِ الـعـنـيـدْ

وهي مرحلة تقسيم الأدوار بين الشخوص فنرسيس أكمل والأنا أو ذات الشاعر ثنيت وأكملت وأرخيت والتغشي وهي مرحلة تصاعد داخلي بناء على التقسيم ومن ثم يتحول التقسيم للأدوار بناء على الاستسلام والغواية (يمد / قال / كن) فما بين الفعل المضارع يمد والماضي قال والأمر كن تتم التحولات والتصاعدية ويخص الفعل الأمر بمدلول النصح والإرشاد سعيا للخلاص وإغراء للاكتمال لتكتمل الغواية. ولعل الأنا تسعى هي الأخرى لرمي عبء الوزر وانعكاس عظيم الندم بناء على مظلومية الاستسلام وقلة الحيلة وقوة الإغراء الناشئة عن التناقض والحث على التحول (الآمر / مأمور ــ مالك / مملوك) وتبلغ قمة الإغراء بالتلويح بالتميز ودقة الشاعر في رسم التصاعد بواسطة التناقض سواء بالطباق أو بالنصح وذلك بالتحضيض جراء استخدام (لا) بعد جملة كن وتبلغ الغواية حدها بالحث للذات سعيا للانعتاق من تأثيرات إينانا أو الماضي في مقابل الحاضر والمستقبل بالخروج من دائرتها إلى دوائر أخرى ولعل ذلك يعكس قوة المرحلة الثالثة وهي الندم ويمكن تفسير الإطالة في جمل كن للتبرير عن عظم الندم الآتي حيث فعل استفاق وفاعله الفحل ومردوده قلت. هذا التتابع السريع لجملتين يعكس التحول السهل والسريع والتصاعدية الزمنية الملفتة والعاكسة لتأثيرات الغواية وهي أيضا تمهيد لأرضية الندم ومبرراته وهي مرحلة تسيطر في بنية جملتها على ثلاث دعائم الجملة الإنشائية بكيف وذلك للتعجب والفعل كنت وأصبح والأدوات للنفي لا ليس وهكذا وهي قادرة على انكشاف الواقع أمام فعل الغواية والوقوع فيها ليكون المشهد المبني على هذه الدعائم كفيلاً برسم عظم الندم والممهد له من قبل، لذا لم يحتج الشاعر للألفاظ الدالة على الندم إلا من خلال الرمز بمحموله ولكن بنية جملته عكست هذا وتتابعها نهاية القول أن الشاعر استخدم محمولات الثنائيات المتنوعة لتقوم عليه سردية الحكاية وتصاعدها الدرامي والتناوب بين التسارع في الحدث والبطء فيما بين الداخل والخارج والديالوج والمنولوج والأنا والأنت ما يعكس حتمية القصدية في الاستخدام ومعرفة تقنياته.

  هشام مصطفى / شاعر وناقد مصري.

أنـكـيـدو: الـشـهـيـدُ الـحـيُّ والـحـيُّ الـشـهـيـد

يحيى السماوي

قـبـلَ أنْ أكـفـرَ بـالـعـشـقِ وأوروكَ و ” إيـنـانـا “

أتـى فـي غـفـلـةٍ مـن فـرحـي الأخـضـرِ ” نـرسـيـسُ ” (1)

فـأولـمـتُ لـهُ دِنّـاً مـن الـشِـعـرِ

ومَـزّاءً مـواويـلَ عـن الـعـشـقِ الـذي يُـشـفـي

ويُـحـيـي ويُـبـيـدْ

*

وعـن الـسـبـعـةِ أنـهـارٍ مـن الـخـمـرِ الـبـتـولـيِّ الـعـنـاقـيـدِ

وزهـرِ الـلـوزِ والـريـحـانِ فـي الـوادي

الـبـعـيـدْ

*

والـشـذا الـنـاضـحِ مـن خـصـرٍ ومـن صـدرٍ

وخـدَّيـنِ وجـيـدْ

*

وفـمٍ يُـشـجـي الـتـسـابـيـحَ إذا غـنّـى

ويُـغـوي الـنـايَ بـالـعـزفِ..

وسـاقَـيـنِ إذا ســارا عـلـى أرصـفـةِ الـدربِ فــفـي الـسَّـمـعِ

كـإيـقـاعِ نــشــيــدْ

*

وهـيَ الـحِـكـمـةُ والـفِـطـنـةُ والـرِّقـةُ

والـرأيُ الـسـديـدْ

*

لَـعِـبَ الـعـشـقُ بـرأسـي

فـتـحـدثـتُ عـن الـمـعـصـومـةِ الـعــيـنـيـنِ ” إيـنـانـا “

وعـن مـيـلادِ أوروكَ الـجـديـدْ

*

والـغـزالاتِ الـتـي تـسـرَحُ تـرعـاهـا ذئـابٌ.. (2)

وفِـراخٍ لـلـعــصـافـيـرِ بـأحـضـانِ الـشـواهـيـنِ..

فـلا سَـهـمٌ وقـوسٌ وطِـرادٌ وطـريـدْ

*

وعـن الـصَّـبِّ الـفـراتـيِّ / الأسـيـرِ / الآسِــرِ /

الـزاهـدِ / والـمـاجِـنِ

والـعـاقِـلِ / والـمـجـنـونِ / والـحُـرِّ / الـسـجـيـنِ

الـسـائـحِ الـجَـوّابِ / والـكـهــلِ الـشـريـدْ

*

حـارسِ الـخِـدرِ / الـوديـعِ / الـشـيـخِ /

والـطـفـلِ الـعـنـيـدْ

*

أكـمَـلَ الـمَـزّاءَ ” نـرسـيـسُ “

فَـثَـنَّـيْـتُ بـصَـحـنٍ مـن كـرومٍ

وأنـا أكـمـلـتُ دِنَّ الـِشـعـرِ..

أرخَـيـتُ جـفـونـاً

وتَـغَـشّـانـي دُوارٌ

لـم أفـقْ إلآ و” نـرسـيـسُ ” يَـمـدُّ الـفـأسَ لـيْ

قـالَ:

كُـنِ الآمـرَ لا الـمـأمـورَ

والـمـالِـكَ لا الـمـمـلـوكَ

لا عـبـداً لـ ” إيـنـانـا “

ونـاطـوراً كـمـا بـاقـي الـعـبـيـدْ

*

الـغـوانـي مِـلءُ عـيـنـيـكَ

فـكُـنْ فـي الـكـأسِ والأُنـسِ كـمـا جَـدُّكَ:

هـرونُ الـرشــيـدْ

*

وكُـنِ ” الـضِـلِّـيـلَ “: (3)

لا يـرضـى بـمـثـنـىً وثـلاثٍ وربـاعٍ..

يـومُـهُ خـمـرٌ مـن الـتُّـفـاحِ والـتـيـنِ

وأمّـا غـدُهُ فـالـخـمـرُ

لـكـنْ

كـأسُــهُ أفـواهُ غِـيـدْ

*

فـاسْــتـفـاقَ الـرَّجـلُ الـفـحـلُ الـذي كـنـتُ عـلـيـهِ

قـبـلَ أنْ تُـدخِـلـنـي فـردوسَـهـا الـضـوئـيَّ ” إيـنـانـا “

فـيـغـدو ذهَـبـاً طـيـنـي وأحـزانـيَ عِـيـدْ

*

قـلـتُ:

هـاتِ الـفـأسَ..

آنَ الـيـومَ لـيْ أنْ أُعـلِـنَ الـحـربَ عـلـى أعـرافِ ذُبـيـانَ

وطـيٍّ وزبـيـدْ

*

” فـازَ بـالـلـذاتِ ” مَـنْ مَـدَّ فـمـاً لِـلـثـمِ.. (4)

والـكـفَّ لـتـمـسـيـدِ نـهـودٍ وخـصـورٍ

وسـريـراً لِـصَـهـيـلٍ وهـديـلٍ

كـلَّـمـا يَـسـقـيـهِ سـاقـي الـلـذةِ الـحـمـراءِ نـاداهُ:

الـمـزيـدْ

*

لـيـلـةٌ مـرَّتْ وأخـرى

وأنـا أحـتـطِـبُ الـمـعـبـدَ حـتـى تَـعِـبَ الـفـأسُ

ولـوّى ســاعِـدي الأمـرُ الـجـهــيــدْ

*

فـرمـى بـيْ تَـعَـبـي طـفـلاً

عـلـى شـوكِ الـصـعـيـدْ (5)

*

لَـسَـعَـتْـنـي الـشـمـسُ

فـاسْــتـيـقـظـتُ عـطـشـانَ ولا مـاءٌ

وعُـريـانَ ســوى ثـوبٍ مـن الـدمـعِ

فـكـنـتُ ” الـكُـسَـعِـيَّ ” الـخـاسِــرَ الـنـدمـانَ (6)

لـكـنْ

حـيـن لا مـنـجـىً مـن الـخُــسْــرِ الأكـيـدْ

*

فـلـقـدْ أغـضـبْـتُ ” إيـنـانـا “

و” إيـنـانـا ” إذا تـغـضـبُ فـالـوَعـدُ بـفـردوسٍ

سـيـغـدو بــالـعـذابـاتِ وعِـيـدْ

*

فـإذا بـيْ لا طـريـفُ الـشـيءِ مـن يـومـي

ولا مـن أمـسـيَ الـزاهـي تـلـيـدْ

*

فـأنـا أدري ولا أدري..

شـقـيٌّ أم سـعـيـدْ

*

كـلُّ ما أدريـهِ أنـي

لـسـتُ ” وضّـاحَ الـيـمـانـيَّ ” (7)

فـمـا شَــبَّـبْـتُ إلآ بـالـتـي كـنـتُ لـهـا الـجـفـنَ مـن الـعـيـنِ

ولـيْ كـانـتُ كـمـا الأمُّ مـن الـطـفـلِ الـوحـيـدْ

*

كـيـفَ أخـلـلـتُ بـمـيـثـاقِ اتّـحـادِ الـعـطـرِ بـالـوردةِ

والـعـابـدِ بـالـمـعـبـودِ

والأهـدابِ بـالأجـفـانِ

والـنـخـلِ بـأعـذاقِ الـنـضـيـدْ ؟

*

مَـنـحَـتْـنـي سـبـعَ واحـاتِ قـصـيـدْ

*

كـيـف أغـوانـي بـفـأسِ الـطـيـشِ ” نـرسـيـس ” ؟ (8)

فـأصـبـحـتُ كـ ” ديـكِ الـجـنِّ ” أســتـجـدي الـمـنـاديـلَ لـدمـعـي

وأرى أزهى الـفـراديـس بـلا ” وردَ ” مـفـازاتٍ وبِـيـدْ

*

مـات أنـكـيـدو

و” إيـنـانـا ” غـدتْ أرمـلـةَ الأعـيـادِ فـي أوروكَ

والـثـكـلـى بـ ” مـشـحـوفٍ يـطـرُّ الـهـورَ “

أنـكـيـدو الـشـهـيـدُ الـحـيُّ

والـحـيُّ الـشـهـيـدْ

التصنيفات : ادبية وثقافية