حان وقت الحساب..توقف فيس بوك يكشف عن تأثيراته على الصحة النفسية

5 أكتوبر، 2021
51

عماد حسن

سبع ساعات حبس فيها مليارات المستخدمين في العالم أنفاسهم مع توقف خدمات شركة فيسبوك العملاقة. الأزمة فتحت أبواباً لتساؤلات حول مدى تغلغل الشركة في الحياة اليومية للناس في ظل تسريبات مقلقة عن أثر منتجاتها على الصحة النفسية.

أسوأ أزمة تتعرض لها شركة فيسبوك ربما منذ إطلاق “مارك زوكربيرغ” لشبكة التواصل الاجتماعي مع زميله في جامعة هارفارد “إدواردو سافيرين” في فبراير/ شباط عام 2004.

مشكلة “تقنية” استمرت لسبع ساعات نتج عنها توقف شبكة فيسبوك بالكامل عن العمل ومعها الكثير من منتجاتها مثل ماسنجر، واتساب، إنستغرام وأوكولوس. أزمة بطعم “تقني”، يبدو أنها تخفي وراءها عالماً غامضاً يحفل بالكثير من الأمور “المريبة”، عالما يبدو أن زوكربيرغ حاول قدر المستطاع أن يبعد عنه أنظار منتقدي شبكة التواصل الاجتماعي الأكبر في العالم.

ما الذي حدث؟

تقنياً، يلف الأمر غموض شديد، إذ لا توجد تفاصيل كافية وكل ما خرج إلى الآن هي استنتاجات من خبراء في ضوء المعلومات التي جاءت من عاملين داخل شركة فيسبوك. فالشركة قالت في بيان إن العطل سببه “تغيير خاطئ في إعدادات الخوادم” التي تربط من خلال الإنترنت هذه المنصّات بمستخدميها، الأمر الذي تسبب في سلسلة من المشاكل أثرت على أدوات وأنظمة كثيرة نستخدمها داخلياً بشكل يومي، ما عرقل جهودنا لتشخيص المشكلة وحلها”.

وأضافت الشركة في رسالة لها على موقع تويتر، الذي لجأت اليه للتواصل مع عملائها ومستخدميها، “نحن ندرك أن بعض الأشخاص يواجهون مشكلة في الوصول إلى تطبيقاتنا ومنتجاتنا. نحن نعمل على إعادة الأمور إلى طبيعتها في أسرع وقت ممكن ، ونعتذر عن أي إزعاج”.

وانتشرت على مواقع التواصل تفسيرات متقاربة للغاية عن سبب الأزمة تحدث عنها خبراء تقنية ومنهم خبير أمن المعلومات رامي رؤوف، الذي حاول في منشور له على فيسبوك تقديم شرح مبسط لسبب تلك الأزمة غير المسبوقة.

وفي حوار أجرته وسائل اعلام مع الاستشاري في الأمن الرقمي وأمن المعلومات من بيروت علي السباعي، قال إن “كل خدمات فيسبوك خرجت من نطاق الإنترنت بسبب ما يعرف بخلل في الإعدادات (misconfiguration) حدث من جانب الشركة.. سبب المشكلة هو Border Gate Protocol أو بروتوكول البوابة الحدودية (BGP) وهي للتسهيل اللغة التي تتحدث بها أو تتواصل من خلالها شبكات الإنترنت مع بعضها”.

وأضاف السباعي: “ما حدث أن الخادم (Server)  الخاص بفيسبوك خرج عن هذه الشبكة ولم يعد موجوداً على شبكة الانترنت نتيجة لخطأ في الإعدادات، ولم يعد بإمكان الشبكات أن تتحدث مع بعضها، لذلك لم يتمكن أحد من استخدام أي من خدمات فيسبوك المختلفة لأنها لم تكن على الشبكة Off-Grid، بمعني أن السيرفرات (الخوادم) نفسها قد تكون لاتزال تعمل لكن الإعلان عن وجودها في حد ذاته على شبكة الانترنت اختفى كون كل البنية التحتية لشركة فيسبوك نفسها تدار من جانب الشركة وليس من جانب جهات أخرى خارجية، ما أدى إلى تعطل هذه البنية التحتية، حتى أن الموظفين فشلوا في الدخول إلى غرف السيرفرات وأماكن أخرى تعمل بالبطاقات الممغنطة، نطراً لارتباط كل شيء في الشركة – بما فيها الأبواب – بشبكة الانترنت الخاصة بالشركة، ما جعل الموضوع يستغرق عدة ساعات إلى أن استطاع المهندسون دخول المبنى والغرف والبدء في حل المشكلة”.

بعد حل المشكلة، كتب مارك زوكربيرغ على صفحته بموقع فيسبوك: “عاد فيسبوك وإنستغرام وواتساب وماسنجر إلى الإنترنت الآن. نأسف للاضطراب الذي حدث اليوم .. أعلم مدى اعتمادكم على خدماتنا للبقاء على اتصال مع الأشخاص الذين تهتمون بهم”.

تسريبات مقلقة للغاية

ومن عجائب “المصادفات” أن تتزامن تلك الأزمة التقنية مع أزمة أخرى بطلتها المهندسة فرانسيس هوغن الموظفة السابقة في فيسبوك، والتي استقالت من منصبها قبل عدة أشهر اعتراضاً منها على “اختيار شبكة التواصل الاجتماعي الربح المادي على سلامة مستخدميها”، بحسب ما قالت خلال مقابلة بثتها محطة “سي بي إس” التليفزيونية الأمريكية.

فرانسيس هوغن

وقبل استقالتها، عمدت المهندسة الشابة إلى تصوير عدد ضخم من الوثائق التي تثبت صحة ادعاءاتها وأرسلتها إلى صحيفة “وول ستريت جورنال” التي قامت بعمل تحقيق مثير كشفت فيه – استناداً إلى الوثائق – أن الشركة تعلم تماماً أن عدداً من منتجاتها وبالأخص إنستغرام تتسبب في مشكلات نفسية عميقة وخصوصاً للمراهقات قد تنتهي بالانتحار.

وأظهرت البحوث التي أشار إليها التحقيق أن 32 في المئة من الفتيات المراهقات شعرن بأن استخدام إنستغرام منحهن صورة أكثر سلبية عن جسدهن فيما لم يكنّ راضيات أصلاً عنه. وأكدت المهندسة العاملة سابقا في فيسبوك أن شبكة التواصل الاجتماعي مدركة جيداً لهذا الانحراف، لكنها رفضت التدخل لتعديله، لأن ذلك قد يتسبب في انخفاض أرباحها المالية الهائلة.

نظريات المؤامرة تنتشر

هذه “الصدفة” التي تزامن فيها سقوط فيسبوك وخدماته مع توقيت نشر تحقيق “وول ستريت جورنال” أدت إلى انتشار الكثير من نظريات المؤامرة.

على أن أشهر تلك النظريات على الإطلاق وأكثرها انتشاراً – خصوصاً على موقع تويتر – كان ما قيل إن شركة فيسبوك نفسها هي من تقف وراء تعطيل عمل المنصة ومنتجاتها، وأن مهندسي الشركة خلال فترة التوقف قاموا بعمل مسح شامل وإلغاء لكافة المسائل الحساسة التي تحدثت عنها تسريبات الموظفة السابقة بالشركة، وذلك خوفاً مما قد ينتج عن الجلسة التي سيعقدها الكونغرس الأمريكي للاستماع إلى شهادة الموظفة السابقة بشان أضرار الشبكة النفسية، حيث يعتقد البعض أن لجنة من الخبراء قد تشكل من الكونغرس وتمنح صلاحيات لدخول الشركة وفحص خوادمها والخوارزميات المستخدمة، ما قد يكشف أموراً أبعد وأخطر من كل ما نشر، بحسب أصحاب تلك النظرية.

وانتشر بين المغردين على تويتر أيضاً شائعة مفادها أن ما حدث لشبكة فيسبوك كانت نتيجة لعملية هجوم إلكتروني، بل زعم بعضهم أن منفذها مراهق صيني يبلغ من العمر 13 عاماً، وأن البنتاغون، وزارة الدفاع الأمريكية، اضطرت للتدخل للتحقق من وجود هجوم سيبراني على البلاد من عدمه.

وفي هذا الإطار يقول علي السباعي الاستشاري في الأمن الرقمي وأمن المعلومات لـ DW عربية: “بالنسبة لمسالة الهجوم السيبراني أو الاختراق فكل شيء محتمل، لكن على الأغلب فإن هذا الموضوع بالتحديد نتج عن خطأ في تغيير الإعدادات وهذا ما أعلنت عنه بالفعل شركة فيسبوك، لذلك فهذا هو السبب الأوضح، وهو خطأ بشري من جانب أحد موظفي الشركة ما أدى لهذا الشلل العام داخل شبكات فيسبوك المختلفة”.

أضرار وخسائر فادحة

بسبب هذا الخطأ التقني، خسر سهم فيسبوك خلال الأزمة ما يقرب من 5% من قيمته السوقية، بل إن مارك زوكيربيرغ نفسه خسر حوالي 7 مليارات دولار جراء تعطل منصات التواصل الاجتماعي حول العالم. ووصلت تقديرات الخسائر إلى نحو 50 مليار دولار أمريكي.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل وصلت تأثيرات الأزمة إلى أسهم شركات التكنولوجيا الكبري مثل تويتر وغوغل وأمازون وآبل، مدفوعين في ذلك بتصاعد قلق المستثمرين من مدى نجاعة عمليات التأمين التقنية لتلك المنتجات وتقليل حدوث المشكلات أو تقليل وقت حلها إلى الحد الأدنى لتصطبغ شاشات “وول ستريت” باللون الأحمر.

واستفاد منافسو فيسبوك من العطل. فانتقل تطبيق “تلغرام” من المرتبة السادسة والخمسين للتطبيقات المجانية الأكثر تحميلاً في الولايات المتحدة إلى المرتبة الخامسة في غضون يوم واحد بحسب شركة “سنسر تاور” المتخصصة. وكتب تطبيق “سيغنال” للمراسلة أن “التسجيلات على تطبيق سيغنال شهدت ارتفاعا كبيراً”.

إدوارد سنودن، خبير أمن وتقنية المعلومات الأمريكي، أبدى سعادة بتوقف خدمات فيسبوك عن العمل، وقال إن “العالم سيكون مكاناً صحياً من دون فيسبوك وخدماته”.

ولم يكن سنودن في ذلك وحده، إذ حفل موقع تويتر بمئات التغريدات التي تنتقد شبكة التواصل الاجتماعي الأوسع انتشاراً بشدة، وخصوصاً “تغولها المتصاعد” وتداخلها المتزايد في تفاصيل الحياة اليومية للمستخدمين.

وتحدث مغردون عن الأضرار التي سببها موقع فيسبوك خصوصاً في فترة الجائحة، حيث كان منصة لنشر مئات الفيديوهات والمنشورات غير الصحيحة عن اللقاحات المضادة لفيروس كورونا، كان بعضها لأفراد والآخر كان هجمات منسقة لدول بعينها، وهو ما تأخر فيسبوك كثيراً في مواجهته، كما تحدث مغردون عن منشورات الكراهية والتحريض التي تنتشر بشكل كثيف خصوصاً بعد ما اعتبر تحريضا من الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب لأنصاره على اقتحام مبنى الكونغرس وكذلك منشورات جماعات اليمين المتطرف في أمريكا وأوروبا والتي غمرت المنصة، وهو ما استدعى توجيه لوم شديد للشبكة ورئيس مجلس إدارتها، ليس من جانب مستخدمين فقط وإنما أيضاً من جانب مشرعين وسياسيين أمريكيين.

لكن ذلك لا ينفي مدى أهمية فيسبوك ومنتجاته المختلفة والمتصلة اتصالاً وثيقاً بالحياة اليومية لمليارات الأشخاص حول العالم، فهناك دول كالهند تكاد تقوم الحياة اليومية فيها على تطبيق واتساب، ليس فقط للمحادثات وإنما أيضاً لترتيب الأعمال التجارية وعقد الاجتماعات وغيرها من الأنشطة.

أيضاً هناك نشاط اقتصادي بالمليارات يتم عبر صفحات تجارية متخصصة على موقع فيسبوك سواء للأعمال الصغيرة أو المتوسطة (SMEs)، وكذلك صفحات لشركات أدوية وصيدليات وأطباء وغيرها، ما سهل كثيراً من حياة الناس حول العالم، وهي كلها خدمات تأثرت كثيراً بتوقف فيسبوك ومنتجاته عن العمل.

هل حان وقت الحساب؟

ومن شأن الحادث أن يدعم موقف منتقدي الشركة العملاقة، ذلك أنه يُظهر سطوتها الواسعة على الحياة اليومية. وقال جايك وليامز أحد مؤسسي شركة “بريتش كويست” للأمن الإلكتروني في تصريحات صحفية إن “تأثير الحادث أسوأ في كثير من الدول حيث يتماهى فيسبوك مع خدمات الانترنت” أو “للمستخدمين الذين يلجأون إلى شبكة التواصل الاجتماعي للوصول إلى خدمات أخرى”.

وتملك السلطات الأمريكية اليوم الكثير من الحجج شديدة الإقناع لشن حملة على فيسبوك، خصوصاً بعد ما سربته فرانسيس هوغن من معلومات حول التأثير المضر لفيسبوك وإنستغرام على المجتمع.

وخلال إفادتها الصحفية اليومية، قالت جين ساكي المتحدثة باسم البيت الأبيض تعليقاً على ما ورد في تحقيق “وول ستريت جورنال” وما كشفته المهندسة السابقة في فيسبوك، إن الإدارة الأمريكية تنظر إلى تلك التسريبات على أنها أحدث حلقة من سلسلة حول منصة التواصل الاجتماعي توضح أن فكرة “التنظيم الذاتي لا تعمل”، بما يعني أن إدارة الرئيس بايدن بدأت تنظر بعين الريبة لهذا الحجم الهائل من القوة المعلوماتية المتركزة في أيدي عدد محدود من الأشخاص والشركات التجارية التي تهتم بالربح المادي فقط في المقام الأول.

وتابعت ساكي قائلة إن التسريبات تثبت صحة “القلق الكبير الذي عبر عنه الرئيس والمشرعون من الحزبين حول كيفية عمل شبكات التواصل الاجتماعي الضخمة والسلطة التي جمعوها في أيديهم”.

وفي أعقاب نشر صحيفة وول ستريت جورنال للتحقيق، قرر الكونغرس الأمريكي عقد جلسة استماع لموظفة فيسبوك السابقة. وفي مقتطفات حول ملاحظاتها التمهيدية التي بثتها وسائل إعلام أمريكية عبر تويتر، ستحث هوغن البرلمانيين على وضع ضوابط لفيسبوك، وهو أمر يعد به الكثير منهم بانتظام ويواجه مقاومة عاتية من جانب فيسبوك وغيره من شركات الإنترنت الكبرى وخصوصاً المالكة لمواقع  التواصل الاجتماعي.

dw

التصنيفات : تحقيقات