الأسباب الخفية لانقلاب ماكرون على نظام الجزائر “العسكري”

7 أكتوبر، 2021
195

حسن زنيند

تقف أسباب علنية وأخرى خفية وراء التعليقات القاسية للرئيس إيمانويل ماكرون الذي وضع الأصبع على الجرح بشأن النظام “السياسي العسكري” الجزائري. ماكرون يئس على ما يبدو من الاصطدام بحائط الجنرالات أصحاب السلطة الفعلية بالجزائر.

يمكن انتقاد سياسات الرئيس إيمانويل ماكرون في عدة مجالات، إلا أنّ الكل يشهد له بالجهد الاستثنائي الذي بذله للتقريب بين فرنسا ومستعمرتها السابقة الجزائر. وقد فعل ذلك حتى قبل أن يصبح رئيسا للجمهورية، وكمرشح للانتخابات الرئاسية قال في عام 2017، خلال زيارة له للجزائر بأن “الاستعمار جزء من التاريخ الفرنسي. إنه جريمة، جريمة ضد الإنسانية، إنه وحشية حقيقية وهو جزء من هذا الماضي الذي يجب أن نواجهه بتقديم الاعتذار لمن ارتكبنا في حقهم هذه الممارسات”. وحينها كلفت هذه التصريحات ماكرون موجة من الاستنكار في صفوف اليمين واليمين المتطرف في فرنسا.

ولما أصبح رئيسا لبلاده واصل ماكرون هذا الجهد الصعب، محاولا التوفيق بين إكراهات الرأي العام الفرنسي وانتظارات الجزائريين بالربط بين سرديتين تاريخيتين متنافرتين، يؤججهما تقرير أنجزه المؤرخ الفرنسي ذو الأصول الجزائرية بنجامان ستورا والذي اعتمده ماكرون كمرجعية لسياسته حول الذاكرة بين البلدين. تقرير لم ينص على تقديم اعتذار أو إعلان التوبة من قبل فرنسا للجزائر، ما أثار انتقادات شديدة من قبل الأخيرة.

وظلت خطوة ماكرون رغم تسويقها الإعلامي والسياسي، يتيمة ولم تلق أي تجاوب أو ترحيب من قبل السلطات الجزائرية. وبهذا الصدد علقت صحيفة لوموند الفرنسية (الرابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2021) والتي كانت سباقة لتسريب تصريحات الرئيس الفرنسي: “إيمانويل ماكرون محق في جعل المصالحة بين هذه السرديات المؤلمة محورًا مركزيًا لسياسة إحياء الذاكرة، مع استمرار تفاقم الجراح والمعاناة التي سببتها الحرب الجزائرية. فيما يظل وضع الفرنسيين من أصل شمال أفريقي متأثرا، بوعي أو غير وعي، بتمثلات ورثت عن الفترة الممتدة بين 1954-1962 التي تم خلالها إرسال ما لا يقل عن 1.5 مليون جندي فرنسي “للحفاظ على النظام” الاستعماري في الجزائر الفرنسية”.

ما الذي قاله ماكرون فأغاض الجزائريين؟

تصريحات ماكرون التي كان لها وقع الصدمة في الجزائر كشفت عنها صحيفة لوموند الفرنسية (الثاني من أكتوبر/ تشرين الأول)، وأدلى بها في سياق مع شباب من أحفاد أشخاص شاركوا في حرب استقلال الجزائر (1954-1962). ومما أوردته الصحيفة أن ماكرون اعتبر أن جزائر ما بعد الاستقلال (1962) قامت على “إرث من الماضي” حافظ عليه “النظام السياسي العسكري” وأضاف أن الأمر يتعلق بـ”تاريخ رسمي أعيدت كتابته بالكامل (..) ولا يستند إلى حقائق” بل إلى “خطاب يقوم على كراهية فرنسا”.

مراقبون اعتبروا أن غضب القيادة الجزائرية بشكل خاص سببه قول ماكرون إنه لا يعتقد أن هناك “كراهية” لفرنسا “في أعماق المجتمع الجزائري بل في النظام السياسي العسكري الذي قام على هذا الإرث من الماضي (..) “من الواضح أن النظام الجزائري منهك، أضعفه حراك 2019”.

 وحرص ماكرون تجنيب الرئيس عبد المجيد تبون انتقاداته مؤكدا وجود “حوار جيد مع الرئيس الجزائري” واستطرد موضحا “أرى أنه عالق في نظام صعب جدا”. وأشاد إيمانويل ماكرون مرة أخرى (الثلاثاء الخامس من أكتوبر/ تشرين الأول) بعلاقاته الطيبة مع نظيره الجزائري، معربا عن أمله في إيجاد سبيل “للتهدئة”. وتابع موضحا “أكن احتراما كبيرا للشعب الجزائري وأقيم علاقات ودية فعلا مع الرئيس تبون”.

ماكرون كان واضحا في استهداف النخبة العسكرية الحاكمة في الجزائر، حين اعتبر أن تقليص عدد التأشيرات الممنوحة للجزائريين إلى النصف لن يستهدف الطلاب ورجال الأعمال وإنما “مضايقة الأشخاص الموجودين في الوسط الحاكم” الذين “اعتادوا التقدم للحصول على تأشيرات بسهولة”.

ملاحظات الرئيس الفرنسي تجاوزت النظام العسكري القائم في الجزائر لتشمل المرحلة التي سبقت الاستعمار الفرنسي حيث تساءل “هل كانت هناك أمة جزائرية قبل الاستعمار الفرنسي؟ هذا هو السؤال”، مذكرا بوجود “استعمار سابق” للاستعمار الفرنسي “أنا معجب بقدرة تركيا على محو ذكرى الدور الذي لعبته في الجزائر والهيمنة التي مارستها”، في إشارة إلى الإمبراطورية العثمانية، ولكن أيضا لعدم تجذر بنية الدولة في الجزائر الحديثة وفشل محاولات بناء تنمية شاملة رغم المداخيل الهائلة من الغاز والبترول.

صحيفة “فرانكفورته ألغماينه تسايتونغ” الألمانية (الثالث من أكتوبر/ تشرين الأول) أوردت تصريحات ماكرون التي قال فيها إن هناك “خطابا قائما على كراهية فرنسا” بين نخب الدولة الجزائرية. خطاب يعرقل جهود مصالحة الذاكرة بين فرنسا ومستعمرتها السابقة.

الجيش ـ تاريخ من الانقلابات والاستحواذ على الدولة

ما قاله ماكرون بشأن الطبيعة العسكرية للنظام السياسي الجزائري ليس اكتشافا جديدا، وإنما هو أمر تاريخي واقع، فالجيش الجزائري ومنذ تأسيسه وهو يلعب دورا محوريا في بنية الدولة بمهام تتجاوز بكثير مهام الدفاع والأمن القومي، إلى السياسة بمعناها الواسع كما يملك تاريخا حافلا من الانقلابات والجزائريون أنفسهم يقرون بأن المؤسسة العسكرية هي “صانعة الرؤساء” منذ استقلال البلاد إلى يومنا هذا. أو ليست المطالبة بنظام مدني يبتعد فيه العسكر عن السياسة أحد أهم مطالب الحراك الشعبي؟

الجيش الجزائري هو من يتحكم في مصير الدولة منذ الاستقلال إلى اليوم رغم واجهة مدنية لم تعد قادرة إخفاء دور الجنرالات في كواليس صنع القرار السياسي. النظام الجزائري لا يحب أن يوصف بالعسكري رغمه كونه كذلك، وحينما يأتي ذلك التوصيف بشكل علني من قبل أكبر حليف غربي (فرنسا)، فإن ذلك يذكر وبشكل مؤلم بمعضلة شرعية النظام التي قامت في بداية الاستقلال على الثورة وعجزت الانتخابات الشكلية عن إعادة انتاجها.

فأول انقلاب قام به الجيش الجزائري في يوليو/ تموز 1962 قاده أحمد بن بلة ضد الحكومة المؤقتة التي كان يقودها بن يوسف بن خدة. أما الانقلاب الثاني (يونيو/ حزيران 1965) فكان ضحيته أحمد بن بلة وقاده الجنرال هواري بومدين، الذي كان بدوره ضحية لانقلاب فاشل ضده قاده العقيد طاهر زبيري. وبعد موت بومدين (فبراير/ شباط 1979) اتفق قادة الجيش على تعيين الجنرال الشاذلي بن جديد، الذي انقلب عليه الجيش بدوره في (يناير/ كانون الثاني 1992) وأرغمه على الاستقالة بعد رفض نتائج الانتخابات التي فاز فيها الإسلاميون.

واجتمع الجنرالات من جديد في منزل وزير الدفاع الجنرال خالد نزار لتعيين محمد بوضياف الذي اغتيل في يونيو/ حزيران 1992. بعدها عين الجيش الجنرال علي كافي ودامت مدة حكمه عامين فقط (1992 إلى 1994) بعد أن تم الانقلاب عليه بدوره واستبداله بالجنرال اليمين زروال (نوفمبر/ تشرين الثاني 1995) إلى أن أجبر على الاستقالة (أبريل / نيسان 1999) قبل انتهاء ولايته الرسمية بسبعة أشهر.

وبعده تولى بوتفليقة المنصب بدعم من الجيش في انتخابات خاضها وحيدا بعد انسحاب كل المرشحين، ليستمر في المنصب طيلة 20 عاما. وكان للفريق أحمد قايد صالح دور رئيسي لدفع بوتفليقة للتخلي عن الحكم واختيار الرئيس الحالي عبد المجيد تبون خلفا له، رغم انتخابات رئاسية عرفت مقاطعة شعبية واسعة.

صحيفة “ليكسبرسيون” الفرنكوفونية المقربة من النظام الجزائري كتبت أن ماكرون ارتكب “انحرافا لا يغتفر، لم يرتكبه أي رئيس فرنسي سابقا”. فالجزائر تعتبر كل ما له علاقة بثورتها التحريرية والمرحلة الاستعمارية من باب المقدسات التي أسست حولها سردية الدولة الوطنية. وبالتالي فهي تتشبث بوجهة نظرها القائمة على ضرورة اعتراف ثم اعتذار فرنسا على جرائمها الاستعمارية ولما لا دفع تعويضات للضحايا، فيما ترى باريس أن تحميل فرنسا مسؤولية كل فشل في الجزائر لا يساعد في مد الجسور بين البلدين.

“فرانكفورته ألغماينه تسايتونغ” ذهبت في نفس الاتجاه وكتبت “الشباب الجزائري لم يعد يتقبل الشرعية (الثورية) للقيادة السياسية العسكرية من خلال حرب الاستقلال. الشباب يريدون فرص عمل وحياة أفضل. الجزائر مهمة لاستقرار شمال إفريقيا. ومن الجيد أن يكون ماكرون قد أدرك أن هذا لم يعد مضمونا مع النظام الحالي. وكان من الأفضل لو أظهر ماكرون حكمته هذه في وقت سابق قبل الآن”.

حسابات انتخابية غير بريئة لماكرون..ولكن!

عدد من المراقبين، من بينهم فرنسيون، اعتبروا أن اختيار ماكرون لهذا التوقيت لإطلاق تصريحاته النارية ليس بريئا تماما، وله علاقة مباشرة بهيمنة الخطاب اليميني المتطرف على الحملة الانتخابية الفرنسية. وبهذا الصدد كتبت صحيفة “تاتس” اليسارية الألمانية (الثالث من أكتوبر/ تشرين الأول 2021): “تصريحات ماكرون الجديدة تندرج في سياق بداية الحملة الانتخابية للرئاسيات الفرنسية التي ستجرى في أبريل / نيسان 2022، والتي طبعتها مفاجأة كبرى تتمثل في صعود اليميني المتطرف إريك زمور في استطلاعات الرأي، على حساب مرشحين آخرين من اليمين.

وزمور من أصل يهودي جزائري، يحرض ضد المسلمين ويدافع عن النظام الاستعماري”. وبالتالي فإن تصعيد اللهجة ضد الجزائر وتخفيض تأشيرات السفر الممنوحة للدول المغاربية من شأنه إظهار ماكرون لدى الناخبين الفرنسيين في موقع الرئيس الصارم غير المتهاون في ضبط تدفق الهجرة.

غير أن الوجاهة المحتملة لهذا التحليل ينبغي ألّا تنسي خيبة أمل ماكرون الشخصية بشأن عدم تفاعل الجزائر مع جهود المصالحة التي بذلها على مدار أربع سنوات لتكريس المصالحة بين البلدين، ومنها قراره بفتح الأرشيف السري الذي يزيد عمره عن 50 عاما، المتعلق بالحرب الجزائرية، كما أوصى بذلك بنجامين ستورا في تقريره حول “مصالحة الذاكرة”.

لكن السلطات الجزائرية تجاهلت تقرير ستورا، بل ورفضته معتبرة أنه لا يتسم بالموضوعية وأنه فشل في الدفع نحو “اعتراف فرنسا رسميا بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي اقترفتها خلال احتلالها للجزائر”، وفق ما جاء على لسان وزير الاتصال الجزائري عمار بلحيمر. كما أن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون نفسه (أبريل / نيسان 2021) أكد على عدم استعداد بلاده للمساومة في ملف الذاكرة الذي “لن تتم المتاجرة فيه” في إطار العلاقات الثنائية بين الجزائر وفرنسا.

wd

التصنيفات : اقليمية