قراءة نقدية لكتاب فلسفة الدين في الفكر الغربي للدكتور إحسان علي الحيدري

7 أكتوبر، 2021
1052

ا. د. محمود محمد علي

تعددت الآراء واختلفت بشأن الصلة بين الفلسفة والدين، حيث يذهب كثير من الباحثين إلي التأكيد علي ارتباط الفلسفة في نشأتها علي الدين، ثم سرعان ما استقلت الفلسفة وأخذت تهاجمه، ويتضح ذلك الموقف من خلال موقف فلاسفة اليونان الأوائل من الدين، وفي هذا يذهب اميل بوترو إلي أن الفلسفة بدأت بطبيعة الحال بإنكار حاضنتها ومحاربتها وفي ذلك يقول أكسينوفان: البشر هم الذين خلقوا الآلهة لأنهم يلتمسون فيها صورتهم الحقة وعواطفهم ولغتهم ولو عرف البقر التصوير لخلع علي آلهته هيئة البقر، ولقد نسب هوميروس وهزيود إلي الآلهة كل ما هو مخجل أثيم في البشر (1).

وانطلاقا من العداء التاريخي بين الفلسفة والدين، نجد موقف المؤهلة الطبيعيين في العصور الحديثة وموقفهم الرافض للدين، الذي ساهم إلى حد كبير في تفويض الدين . ومن الثابت تاريخياً أن هناك عداء مستحكم بين الفلسفة والدين وكلاهما يتربص بالآخر، وفي هذا يذهب بوترو إلى أن ” العقل عند المؤهلة لا يتعارض مع التقاليد ومع سلطة الكنيسة فقط، بل يرفض كل اعتقاد يختص بالأمور التي تتجاوز نطاق أفكارنا الواضحة أو الطبيعية التي نحن جزءاً منها . وبذلك قضى العقل بطريقة منتظمة على كل سر غامض وكطل عقيدة انتقلت لنا من الديانات الضعيفة، ولا يسمح إلا ببقاء الدين الذي يسمى طبيعياً أو فلسفياً  (2).

وتمشياً مع الموقف الفلسفي للدين نجد أن الغالب على هذا الموقف معارضته إضفاء أي قدسية على الدين وتعاملهم مع الدين كفكر مصدره الإنسان وليس مصدره قوة عليا هي المسؤولة عن الدين . وإن كان الفلاسفة يشيرون إلى المسيحية فذلك على سبيل المثال وليس على سبيل الحصر، وفي هذا نجد من يذهب إلى أن ” الفروض المسيحية فقدت الشريعة الاجتماعية، ولكن ليست الفكرة، أنهم ما زالوا شرعيون وبالتالي الأسلوب المعتاد لعدم مشاركتهم عاداتهم، ولكن هذا أصبح اليوم غير ضروري في الدوائر الواسعة التي تعيش ببساطة على هامش المسيحية، في مناخ اجتماعي حيث المسيحية غير مقدمة لأي فرد كافتراض شائع “.

وفي هذا يذهب أيضاً إلى أن ” الوعي بالانتماء إلى مجموعة ليس بالعكس يؤثر في المسيحية، أنه يقويها عندما يكون الشعور أو الوعي بمجموعة دينية . ولكن يجب ملاحظة أن المجموعة مراراً ما تفترض سمة المجموعة الدنيوية أو الحزبية، والتي تؤكد المسيحية كمركز تقليدي أو سياسي أو إيديولوجي وليست كدين بالمعنى الصـارم “.

وعلى الرغم من هذا نجد من يذهب إلى أن الدين له أهمية خاصة وقدرة مميزة، وتأثير تجاوز كل تصور ويرجع ذلك إلى طبيعته الخاصة وفي هذا يذهب اميل بوترو إلى أن ” الدين قد وحد الناس وفرق بينهم وأقام الدول وأسقطها وآثار أفظع الحروب، وعارض بالعقل قوة المادة الهالكة باعتبار أنها عقبة لا يمكن تجاوزها . ولقد أثار في ضمير الفرد ألواناً من الصراع تشبه في مأساتها الحروب بين الدول .لقد واجه الطبيعة وأخضعها، وجعل الإنسان سعيداً في البؤس، بائساً في السعادة . فمن أين جاء للدين هذا السلطان الغريب إذا لم يكن الإيمان أقوى من المعرفة، وكان الاعتقاد بأن الله معناً أشد أثراً من أي معونة إنسانية، وأن الحب أقوى من جميع البراهين ” (3).

بعد حديثنا عن الدين وتعريفه، كان لزاماً علينا أن نتناول فلسفة الدين لنتعرف عن مدلولاتها وماذا تعني ؟ ولتوضيح الاختلاف بين اللاهوت وفلسفة الدين، نجد أن أزفلد كولبه يميز بينهما على اعتبار أن اللاهوتي مرتبط بدين محدد بينما تهتم فلسفة الدين بنقد موضوعات ومفاهيم اللاهوت بصفة عامة، وفي هذا يذهب الكاتب والمفكر العراقي عبد الجبار الرفاعي إلي أن سؤالُ فلسفةِ الدين سؤالٌ فلسفي، والتفكيرُ فيها تفكيرٌ فلسفي، وقراءتُها للدينِ ومعتقداتِه قراءةٌ فلسفية، وبذلك تتميز عن: علمِ اجتماع الدين، وأنثروبولوجيا الدين، وعلمِ النفس الديني، وغيرِها من علومٍ تهتم بدراسة الدينِ وتمثّلاتِه في حياةِ الفردِ والجماعة، فكلٌّ من هذه العلوم يدرس كيفيةَ تعبيرِ الدين عن حضورِه في الحياة، والأثرَ والتأثيرَ المتبادلَ الناتجَ عن التفاعلِ بين الدينِ وثقافةِ المجتمع ونمطِ تمدّنه، وكلُّ هذه العلومِ يدرسُ الدينَ في ضوء مناهجِه ومفاهيمِه وأدواتِه في البحث العلمي، ويتركّز بحثُه على ما يحدثه الدينُ في المجالِ الخاص الذي يدرسه (4)

علاوة علي أن فلسفةُ الدينِ لا تختصُّ بدينٍ أو فرقةٍ أو مذهب، ولا تسعى للدفاعِ عن معتقداتِ جماعةٍ دينية، كما هي وظيفةُ اللاهوتِ، وعلمِ الكلام، ففي لاهوتِ أيِّ دينٍ يظل اللاهوتي يفكّر تحت سقفِ المعتقد المركزي للدين، ولا يخرج عن إطارِه الكلي مهما كان رأيُه، وفي علمِ الكلامِ الإسلامي يظل المتكلمُ يفكّر تحت سقفِ التوحيد والنبوة، فإن خرج اجتهادُه عن مسلّماتِ الاعتقاد فنفى وجودَ الله وأنكر النبوةَ لم يعد متكلماً. (5)

أما فيلسوفُ الدين فلا سقفَ يخضع له عقلُه، ولا إطارَ يتحرك ضمنَه تفكيرُه، ولا مسلماتٍ يصدر عنها؛ لأنه لا يقوده إلا العقلُ، ولا ينتج فهمَه للدينِ والمعتقداتِ الدينية أيّةُ سلطةٍ معرفيةٍ تتعالى على العقل، فمنطقُ فهمِ فيلسوفِ الدين للمعتقدات الدينية هو ذاتُه منطقُ فهمِه للوجود والمباحثِ الكلية المعروفةِ في الفلسفة. (6).

وتبتعد فلسفةُ الدينِ عن الأحكامِ المعيارية، ولا تتبنّى أيّةَ مواقفَ مسبقة، ولا تتحمّس في الانحيازِ لأيّةِ ديانةٍ أو معتقد، فلا يحضر الإيمانُ أو الاعتقادُ بدينٍ معينٍ، بوصفه شرطاً، في تفكيرِ فيلسوفِ الدين، ما يحضر هو العقلُ الفلسفي، من دون أيِّ توصيفٍ أو شرطٍ إضافي يقيّد العقل، أو يملي عليه طريقةَ تفكيره، أو يرسم له حدودَ الأفقِ الذي يتموضع فيه، أو المنطقَ الذي يوجِّه مسارَ تفكيره. (7).

قصدت أن أقدم هذه المقدمة عن كانط لأمهد للحديث عن تحليلي للكتاب الشيق الذي بين يدي، وهو كتاب ” فلسفة الدين في الفكر الغربي” (ويقع في “362” صفحة من القطع الكبير)، للمفكر العراقي المبدع الدكتور إحسان علي الحيدري – أستاذ الفلسفة الحديثة والمعاصرة المساعد بكلية الآداب بجامعة بغداد، ومن عادتي عند قراءة كتاب لا أعرف محتواه أن أخمن موضوعه من عنوانه، وغالباً ما يكون تخميني صحيحاً؛ فحسب علمي لم يكتب قبله كتاب في فن كتابة فلسفة الدين وشرح أفكارها بطريقة نقدية، وهذا واضح من خلال ما فاله في مقدمة الكتاب:” قلبت صفحات الكتب الفلسفية بحثاً عن موضوع فلسفة الدين، لأسهم في معالجة جزء من المشكلة الدينية القائمة التي أدت إلي حدوث شرخ كبير في لحمة الشعب الواحد، فضلا عما عليه الحال بين شعب وآخر يمتلك كل منهما رؤية دينية مختلفة عن رؤية الآخر” (8).

2- التعريف بالمؤلف:

في رأيي أن هناك نمطان من الأساتذة الجامعيين، نمط تقليدي تتوقف مهارته عند تقليد الآخرين والنقل عنهم وضبط الهوامش، والحرص علي أن يكون النقل أميناً، وكلما كان من مصادر ومراجع أجنبية كان أفضل، وكلما قل فيما يقولون فإن ذلك هو الصواب عينه، ونمط مبدع يسخر قراءته لإبداء الرأي أو للتدليل علي صواب الاجتهاد العقلي الشخصي، وبالطبع فإن النمط الثاني هو الأقرب إلي النمط الفلسفي الحق، فالتفلسف ينتج الإبداع ولا يتوقف عند النقل وإثراء الهوامش .

ولا شك في أن إحسان علي الحيدري (مع حفظ الألقاب) من هؤلاء الذين ينتمون إلي النمط الثاني، فهو صاحب موقف فلسفي ونقدي واضح من كل ما يقرأ ولا يكتب إلا في حول أو في قضايا معاصرة  بغرض بلورة موقف مبدع ومستقل عن كل المواقف ومختلف عن كل الآراء المطروحة حول نفس الموضوع سواء قيل من قبل .

إن البحث الفلسفي في نظر إحسان علي الحيدري تعبير خالص عن الموقف الفكري المستقل الخالص بالباحث وليس مجرد مجموعة من النفول والشروح والتعليقات المفتعلة . وعلاوة علي ذلك فإن جدية أحمد سالم وأصالته تتكشف عندما يطرح القضايا الفكرية والسياسية، حيث نجد الغاية من هذا الطرح ليست مجرد تكرار للأفكار، وإنما يسلط الضوء علي أفكار وقصايا بعينها، من أجل أن يكشف عن المجتمعات العربية عموما، والمجتمع المصري خصوصا، وكذلك من أجل أن يستقي القارئ العربي منها مصادر خلاصة من مشكلاته التي تؤرقه وخاصة مشكلة وجوده كإنسان له كرامته الأصلية.

ولهذا يعد إحسان علي الحيدري واحداً من أبرز الوجوه الثقافية من زملائنا المعاصرين، وهو يمثل قيمة كبيرة وشعلة من التنوير الفكري التي بدأها منذ ربع قرن باحثاً ومنقباً عن الحقيقة والحكمة . إنه الباحث عن سبيل يحفظ للإنسان حريته وكرامته فهو ينقب في ثنايا الفكر العربي الحديث والمعاصر، لكنه لا يسلم به من ما يكتب عنه من قبل زملائه الباحثين، بل لديه قدرة عظيمة علي أن يلقي بنفسه في خضم المشكلات المطروحة، ويشق لنفسه طريقه الخاص غير عابئ بما يقوله هذا الفيلسوف أو ذاك من أعلام الفلسفة الشوامخ.

وإذا ما أكتب اليوم عنه هذه  الوريقات القليلة، فما ذلك إلا نقطة في بحر فكره، وقد آثرت أن تكون ورقتي منصبة حول أحد إسهاماته في الفكر الغربي المعاصر، وقد اخترت كتبه بعنوان ” فلسفة الدين في الفكر الغربي “، حيث يعد هذا الكتاب واحداً من تلك المؤلفات الني عني بها مؤلفها إحسان علي الحيدري بالدفاع عن فلسفة الدين في الفكر الغربي من خلال مجموعة من الفلاسفة الغربيين دون غيرهم كان لتميزهم من غيرهم في إدلاء دلوهم في المشكلة المراد بحثها، ومن ثم لا يعني عدم ذكر غيرهم أن المعالجة الفلسفية للمشكلة الدينية اقتصرت علي آراء الفلاسفة المذكورين فقط، بل ذكر المؤلف هؤلاء الفلاسفة بوصفهم نماذج فلسفية عبرت عن نفسها وعن غيرها ؛ لوجود شبه كبير بينهم وبين غيرهم من الفلاسفة (9).

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

…………………….

الهوامش

1- د. محمد عبد الحفيظ: الفلسفة والاعتقاد الديني، دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر، الاسكندرية، 2004، ص 7-8.

2- اميل بوتروا: الدين والعلم في الفلسفة المعاصرة،، ترجمة أحمد فؤاد الأهواني، الهيئة العامة للكتاب، القاهرة، 1973، ص 10.

3- د. محمد عبد الحفيظ: المرجع نفسه، ص 9. .

4- عبد الجبار الرفاعي: مدخل غلي فلسفة الدين، حفريات، منشورة بتاريخ  18/11/2019.

5- المرجع نفسه.

6- المرجع نفسه

7- المرجع نفسه

8- د. إحسان علي الحيدري: فلسفة الدين في الفكر الغربي، دار الرافدين، العراق، 2014، ص 8.

9-المصدر نفسه، ص 13.

التصنيفات : فلسفية وفكرية