انتخابات الأنبار لم تعد تبدأ وتنتهي في مضايف العشائر

8 نوفمبر، 2021
281

شروق شاكر الربيعي

عادة ما تكون الانتخابات في الأنبار مناسبة عشائرية بامتياز، ولكن الانتخابات الأخيرة أظهرت لنا أن انتخابات المجتمع الأنباري لم تعد تبدأ وتنتهي في المضايف العشائرية خصوصا بالنسبة للشباب، وأن معالم تغيير اجتماعي واسع هناك بدأت تلوح في الأفق.

” ﻻ ﻧرﯾد أن ﯾﻛون اﻟﺗﻐﯾﯾر، اﺻطداما ﺑﯾن ﺟﯾل اﻟﺷﺑﺎب وأﺟﯾﺎل اﻵﺑﺎء واﻷﺟداد ﻓﮭم اﺻﻠﻧﺎ وﻟﻛن اﻟﺗﻐﯾﯾر ﯾﺣﺗﺎج إﻟﻰ رأي وﺷﺟﺎﻋﺔ ﻣن أﺟل ﻣﺳﺗﻘﺑل اﻟﻌراق ” هكذا يقول الدكتور رباح الهيتي 55 عاما أستاذ علم الاجتماع السياسي في جامعة الأنبار، والذي لطالما حدث طﻼﺑﮫ ﻋن أھﻣﯾﺔ اﻟﺻوت اﻻﻧﺗﺧﺎﺑﻲ وحث اﻟﺷﺑﺎب على اﻟﻣﺷﺎرﻛﺔ ﻓﻲ اﻻﻧﺗﺧﺎﺑﺎت.

يقول د.رباح إن”ھﻧﺎك ﻋواﻣل ﻣﺷﺟﻌﺔ ﻟﻠﺗﻐﯾرات إﺿﺎﻓﺔ اﻟﻰ وﺳﺎﺋل اﻟﺗواﺻل اﻻﺟﺗﻣﺎﻋﻲ إذ أن اﻟﺗواﺻل ﻻ ﯾﺧﻔﻰ ﻋﻠﻰ أﺣد وﻻ ﯾﻣﻛن ﺗﻐاﻔﻠﮫ. إﻻ أﻧﻧﺎ ﻧﺳﺟل ﺑﻌض اﻟﻌواﻣل اﻟﻣﺷﺟﻌﺔ :أوﻟﮭﺎ اﻻﻧﻔﺗﺎح اﻻﻗﺗﺻﺎدي وﺗطور اﻟﺳوق واﻟﺗﺣﺻﯾل اﻟﻌﻠﻣﻲ وﻻﺳﯾﻣﺎ ﻟﻠﻣرأة وطراﺋق أوﻗﺎت ﻗﺿﺎء اﻟﻔراغ و أﻧواع اﻟزواج اﻻﺧﺗﯾﺎري إذا ﺑدأ ﻋﻣﻠﯾﺔ اﺧﺗﯾﺎر ﻓﻲ ﺗﻐﯾر ﻧوﻋﻲ ﻛﺑﯾر ﻋﻠﻰ اﻟﻣﺳﺗوى اﻟﻣﺣﺎﻓظﺔ وھذه ﺳوف ﯾؤدي إلى ﺗﻐﯾرات اﺟﺗﻣﺎﻋﯾﺔ ﻛﺑﯾرة ﺗﺑدأ ﻣن اﻷﺳرة واﻻﺳﺗﻘرار اﻟﻣﺟﺗﻣﻌﻲ واﻟﺣرﻛﺎت اﻻﺟﺗﻣﺎﻋﯾﺔ واﻟﺳﯾﺎﺳﯾﺔ وﺣرﯾﺔ اﻟرأي ﻟﻠﺷﺑﺎب وھذا ﻣﺎ ﯾﻔﺗﻘده اﻵﺑﺎء واﻷﺟداد إذا أن ﺣرﯾﺔ اﻟرأي أﺻﺑﺣت ﺻرﯾﺣﺔ وﺟرﯾﺋﺔ وﺗﺗﺳم ﺑﺎﻟﻧﻘد اﻟﺑﻧﺎء”.

 في كل الانتخابات التي شهدتها الأنبار منذ 2003 كان الحضور العشائري والديني هو الطاغي والموجه لدفة الاختيارات للناخبين بحكم طبيعة المجتمع القبلي هناك ففي المشهد الانتخابي المعتاد كنا نشاهد سابقا ذهاب المرشحين الى المضايف لأخذ أصوات الناخبين من الأصدقاء والأقارب ممن لهم صلة بشيخ العشيرة، الذي كان دوره توجيه الناخبين من قبائلهم للاختيار ولإعطاء ضمان توفير فرص عمل ومسكن لهم، وايضًا لا يقتصر الحال على الناخبين من العشيرة بل وأصبح المرشحون ممن يسكنون المدينة يذهبون إلى المناطق الريفية وشيوخ العشائر لكسب أصوات. تعددت الأساليب والطرق والهدف هو الفوز في الانتخابات.

في الانتخابات الأخيرة أعلنت مفوضية الانتخابات العليا في المحافظة أن عدد الناخبين المقترعين في الأنبار بلغ  مليون ناخب موزعين على 380 مركز للاقتراع أي  بنسبة %41 وعدد المرشحين هو 280. وبلغ عدد محطات التصويت 2493 محطة بالاضافة إلى 213 محطة تصويت خاص و9 محطات للنازحين .

وفي لقاءات مع العديد من شباب الأنبار، ظهر واقع جديد في آلية الاختيار في الانتخابات الأخيرة. حيث يقول المواطن بهاء حسين محمد 30 عاما ”  أن معظم عشائر الانبار شبعوا من الوعود الكاذبة للمرشحين حيث استغلوا مناصبهم لمصالحهم الشخصية وصعودهم الى قبة البرلمان، وشهدت بعض العشائر انقسام بين مرشح وآخر وهذا ما حدث في القائم “.

كما أكد الناشط والمتطوع المدني في منظمة باكس الهولندية وائل قيس صبار 23 عاما ” بأن شباب الأنبار ينقسمون إلى قسمين: فكر مدني والآخر عشائري، فالغالبية أصبح لديها وعي بما فيه الكفاية ولم تؤثر اختيارات آبائهم أو اجدادهم على اختياراتهم السياسية ولا يوجد أي تأثير من الأصدقاء او العائلة على اغلب الشباب ما بينهم أنا، يضيف وائل أن “مضايف العشائر ليس لها أهمية كبيرة في تلبية مطالب الشباب وهناك اختلاف كبير بين الفكر المدني والعشائري وليس لها تأثير على موقفي السياسي أو التصويت في انتخابات 2021 “.

أشارت الناشطة المجتمعية والإعلامية كوثر المحمدي 31 عاما إلى أن ” المجتمع  بشكل عام  ينتظر ممن أختاره أن يعمل على  صياغة  عملية تخدم المجتمع الذي وضع اماله عليهم ولا يكونوا كالتجارب السابقة  التي لم تلحق بالمجتمع إلا النزاعات والصراعات.  والاحتجاجات التي تولدت عن عدم   تلبية  العهود  والعمل كما هو واجب  منهم  المجتمع  بشكل منقسم هو  أمام النتائج التي أعلنت يعيش نوعا من الإحباط بسبب عدم تغير الوجوه، وهذا الأمر  ينعكس على  من تصدر  للفوز  بأن يثبت العكس  ويساهم بإخراج الشباب من قوقعة البطالة والمساهمة بخلق تشريعات وقرارات تغير من واقع التعليم والصحة والخدمات  ومنحهم الحقوق الواجبة  لأي إنسان.

 الشباب في محافظة الأنبار بدأ ينقاد لرغباته الخاصة  ولا ينصاع لرأي العشيرة رغم ما عرف عنا  من صبغة عشائرية والاحتكام لها لكن الانتخابات بينت عكس ذلك فقد أصبحت المصالح هي الغالبة وقت الاختيار  خاصة أن كثيرا من المجتمع ينظر بعين الحاجة  الآنية اكثر من الحاجة الانسب. بشكل عام كانت محافظة الأنبار هي صاحبة  أقل نسبة  مشاركة  لاختيار من يمثلها  ولكن نبقى نأمل منهم  ان يقدموا  افضل ما نطمح   لحماية  استقرار العراق”.

 يرى الطالب أبو بكر اسامة عبد الغفور 24 عاما  الذي شارك بالانتخابات كناخب ومراقب أن ” شباب الانبار اصبح لديهم انفتاح اكبر للمجتمعات الاخرى وهذا عامل مهم في جعل الفرد يرى الكثير من الأشياء المختلفة عنه، وربما يتطلع لتطوير مهاراته لانه ادرك اهمية ذلك. إن الشباب ازدادوا حرية نظراً لاحتياجاتهم وتطلعاتهم وبالتالي أصبحوا مستقلين بشكل أكبر في اتخاذ قراراتهم وأكثر استقلالية الآن من أي وقت مضى. ولكن هناك الكثير من الشباب يتبعون ما يقولونه الآباء والأجداد دون التفكير مرتين في الأمر، وبالنسبة لي كان تأثير الأصدقاء والعائلة متساويا فبالنهاية اتبعت ما اظنه صحيحاً اكثر من غيره.ورغم أن المجالس العشائرية تحتل نفس الاهمية لدي بالمقارنة مع الأجيال السابقة، ولكن هذا لا يعني أنني يجب أن أتوقف للاستماع لهم، بل على العكس انا ارحب بسماع آراء الجميع سواء كانت العشيرة، الاصدقاء، الاقارب، العائلة أو المجتمع بالعموم”.

شدد المواطن يوسف سعد 21 عاما على أن ” وضع الانبار الاجتماعي مشابه للوضع العام في العراق، والنظام الأبوي وسيطرته على الاختيار حتى في القرارات السياسية واختيار ممثليهم في البرلمان ، ولكن هذا بدأ ينخفض بالتدريج بنسبة ضئيلة  أما نسبة تأثير الأصدقاء فقد تكون أكبر، بسبب الفكر  المتقارب والأهداف التي نتطلع لها ، ويكون مختلفا كثيراً عن العشيرة التي تدعم مرشحها لكونه يحمل اسم العشيرة فقط، ويختلف عن العائلة التي يوجد  داخلها اختلاف فكري كبير في الاختيار السياسي. بنسبة بالنسبة لمضايف العشائر ، فهي جزء من المنظومة الاجتماعية ” العشيرة  ” وهي مهمة في الأعراس ، والمناسبات ، وربَما حل المشكلات في بعض الأوقات ، ولكنها لا تهمني في الانتخابات ، لكونها ستكون مستغلة من قبل شيخ العشيرة الذي قد يكون مرشحاً ، وفي غالب الوقت تدعم العشائر المرشح لكونهِ يحمل اسم العشيرة فقط بغض النظر عن سلوكياته وأهدافه. أنا اعتمد على الأوساط المثقفة والناشطين، والكتاب ،ومراكز الدراسات السياسية ، والنخب المعنية بالقضايا الاجتماعية أو السياسية”.

وأوضح عمار شهاب 35 عاما سائق أجرة تحدث عن كيفية تعامل أولاده الشباب مع موضوع الانتخابات قائلًا ” لدي ولدان بالغان تفكيرهما لم يعد ينحصر في اتباع آراء قد لا تحقق المستقبل المرجو. التغيير اصبح بعيدًا عن العشائر في هذه الانتخابات ولم يعد هناك تمسك بمعتقدات قديمة واهنة. لقد ادلى ولداي بصوتيهما بحرية. أما أنا فذهبت إلى مضايف العشائر ومعي ولديّ ولاحظت تغييرا طفيفا في المجالس، وهما أبديا رغبتهما الكبيرة جدا بالتغيير واختيار مرشحين بأنفسهما. أعطيتهما مساحةً واسعة لاتخاذ قرار يخص مستقبلهما المقبل لأنني رأيت بوادر تغيير بأفكارهما”.

أما الناشط عمر الهاشمي 23 عاما فتحدث عن جيله قائلاً” نحن الشباب  نحترم الكبار والأماكن التي تخصهم فلهم الحق فيها لكن اليوم كشباب لا نرى المضايف مساحة لنا في طرح افكارنا او المناقشة وإن كانت بعض المضايف يزورها الشباب، لكن الافكار والاقتراحات تكون محدودة وفق مبادئ الشيخ او الاب او الجد. بعد الاحداث الاخيرة اصبح هناك وعي لدى الشباب وحصل تغيير كبير حيث نلجأ إلى الاماكن العامة والمنتديات والمقاهي لنلتقي بشباب آخرين من نفس الفئة العمرية ونتناقش بمواضع مختلفة سياسية او اجتماعية ونؤيد الحرية والديمقراطية واتباع المدنية لا العشائرية ولا الدينية”.

 وتقول الباحثة الاجتماعية   في وكالة أنباء العراق اماني كامل حسين 26 عاما في معرض حديثها عن الفروقات بين اليوم والأمس إن ” الاب سابقاً كان ياخذ بطاقة العائلة كاملة وينتخب الشخص  الذي يناسبه ويرغب بالإدلاء بالأصوات له. آما الآن فالشباب هم من يذهبون وينتخبون، ومن الممكن  أن يذهبوا الى أحزاب ليروا ماذا لديهم، وحتى انا ذهبت الى حزب  فلاني وحزب  آخرحتى  إختار من لدية إمكانية من التغيير إلى الأفضل. سابقًا لم يكن هذا متوفرا، حاليًا الشباب ينظمون كروبات على الواتساب وعلى تلكرام والفيس بوك  للترويج والحملات ويجمعون أعدادا هائلة من الشباب حتى ينتخبوا شخصا معينا”.

أما وائل محمد احمد، 24 عاما ناشط ومتطوع مدني في منظمة إنهاء الآفات من العقاب فقد تحدث عن هذه التغييرات وربطها بمظاهرات تشرين الشبابية قائلًا :” تشرين ولدت من رحم معاناة الشعب وكما اذكر انها بعيده عن الطائفة والأحزاب لان تشرين جمعت الكل تحت خيمة العراق، ابن الانبار عانى الكثير من التهم والويلات وعاش النزوح والألم وغيرها. دخولنا لتشرين هو لتوحيد الخط والتماسك المجتمعي، تشرين غيرت الكثير وأنا  من ضمنهم، جعلتني اكون شجاعا وعندي رأي وصوت،وهذا الشي الذي جعلني كشخص تقريبا شبه مكروه ومنبوذ من بعض الأقارب فقط لأنني رفضت أن اعطي صوتي لشخص من اقربائي وهذا الشخص معروف بفساده، من المستحيل أن اعطي صوتي لشخص غير كفء، كل هذا كان سببه تشرين وفضلها في نشر ثقافة الوعي.

يعبر د.رباح عن تفاؤله بقوله ” لقد شاهدنا التغيير بالفعل في هذه الانتخابات، فقد انتصر الشباب، وأصبح لهم صوت ورأي ولم يعد الرأي المفروض من قبل الآباء والأجداد على أولادهم له تأثيرعشائري وحزبي لأن التغيير الذي يرتضيه الشباب قد حصل  وسينتصر من أجل الوطن”.

ويختم الدكتور رباح كلامه بتوقعه أن الشكل العشائري لاتخاذ القرارات في المجتمع الأنباري، وبضمنها ألية الاختيار في المواسم الانتخابية القادمة، سيتغير، ويؤكد هذا بقوله “أﻧﺎ أﻋﺗﻘد أن اﻟﺗﻐﯾﯾر ﺣﺎﺻل ﺑﺷﻛل ﻣرﺋﻲ وأن اﻟﺗﺟدﯾد ﻟدى اﻟﺷﺑﺎب ﺳوف ﯾﻧﺗﺻر ﻓﻲ اﻟﻧﮭﺎﯾﺔ ﻋﻠﻰ المحافظة اﻟﺗﻲ يتسم ﺑﮭﺎ ﻛﺑﺎر اﻟﻌﻣر” ويضيف أنه من المرتقب أن ” ﯾﻘل ﺑﺷﻛل ﻛﺑﯾردور اﻟﻌﺷﺎﺋر واﻟﻣﺿﺎﯾف ﻣﺳﺗﻘﺑﻼ ﺑﺳﺑب اﻟﺷﺑﺎب وﻟﻣواﻛﺑﺔ اﻟﻌﺻر”.

التصنيفات : تحقيقات