ضرورة النقد في المجتمع وأصوله في الإسلام

17 نوفمبر، 2021
1158

تصنيف الأستاذ عادل البوغبيش إعداد الطالب نصير عبد السادة الكعبي

(المقدّمة )

ما أودّ تناوله هنا بشيء من الاختصار، يدور حول ثقافة النقد في أوساطنا الإسلاميّة والإيمانية بالحدّ الأدنى، فالنقد في حقيقته تجربة إنسانيّة، لا نجد حياةً بشرية خالية منها. وسلامة العمليّات النقديّة هي التي تؤدّي إلى مجتمع صالح قابل للتطوّر والتقدّم والازدهار. والشيء الذي يؤرّق الإنسان دائماً في تجربتنا الإسلاميّة، هو كيف نستطيع أن نقدّم ـ بوصفنا نرفع الدين شعاراً للحياة ـ أنموذجاً وتجربةً صالحة في إدارة عمليّات النقد في أوساطنا، بحيث نستطيع أن نرفع رأسنا عالياً أمام العالم بأنَّنا نملك تجربةً وحياة نقدية فيما بيننا، يمكنها أن تساعد في تطوّرنا وازدهارنا؟

ندرك جيّداً أنّ عصرَنا الحاضر قد عرضت عليه تحوّلات جعلته مختلفاً عن الماضي في أساليب الإقناع ووسائل الاحتجاج، فربما يكون السبيل الوحيد سابقاً في الإقناع هو إقامة الأدلّة، بينما اليوم لم تعد تكفي الأدلّة، بل الإنسان المعاصر يبحث عن تجربة عمليّة واقعيّة يلمسها بحواسّه، لكي يجعل الواقعَ مستندَه لإثبات الأفكار، فلا يكفي اليوم أن ندّعي بأنّنا نملك أفضل البرامج للحياة، بل لابدّ أن نقدّم أيضاً تجربةً عملية ملموسة للآخرين لكي نُقنعهم بنجاحنا.

ادأب واصول أخلاق النقد سوف نتناول في هذا المحور بعضَ أصول وضوابط النقد والنقد المضادّ، وسوف اُشير باختصار إلى خطوات أساسيّة في العمل النقدي، وهي: 

(حرية بيان الفكر)

 تساعد حرية النقد على تنمية التفكير وتحريكه والتخلص من عقدة الخوف والوجل والتردد من قول الحقيقة، وتوليد أفكار ورؤى جديدة، ولذلك فهو عملية ضرورية للتخلص من الطاعة العمياء والخضوع والانقياد للقدر الأعمى، وعدم طرح الآراء والأفكار من دون تأمل، كما يرتبط سؤال النقد بالحرية، لأن نقد الفكر من الداخل غالبا ما يكون محكوما بقيم وقواعد وأعراف وشروط إنتاج المعرفة في المجتمع.

(ضرورة لزوم النقد)

أنّ النقد والتجربة النقديّة أصلُ أصيل في الحياة الإنسانيّة، فهو المدخل الأساس للتطوير، والمحفِّز على التقدّم في أيّ مجال علمي، ثقافي، أدبي، فني، ديني، اجتماعي وتربوي، بل أكثر من ذلك يعتبر هؤلاء أنّ النقد مهمةٌ نبيلة يقوم بها الصالحون في المجتمع بغية الوصول إلى مجتمعٍ أصلح.

ولا ينفي أنصار هذا الاتجاه وجود ضوابط للعمل النقدي، بل يقرّون بذلك، لكنّهم يركّزون على تأصيل القاعدة وصناعة القانون العام الذي يقبل التقييد والاستثناء، فهذا مهمّ جداً بالنسبة إليهم.

إنّهم يرون أنّ الأصل الاجتماعي هو فتح باب النقد؛ لأنّ النقد تصويب الناس لسلوك بعضهم بعضاً، وإذا كان في النقد مشاكل أحياناً، لكنَّه في الإطار العام يصوِّب وينمّي ويطوِّر ويرفع من مستوى الوعي والأداء في مختلف جوانب الحياة.

(معنى النقد)

  يُعرَّف النَّقْد لغةً، بأنّه تمييز الدراهم وإخراج الزائف منها، ويأتي بمعنى فَحْص الشيء وكَشْف عيوبه. أمّا في الاصطلاح، فالنَّقْد هو تمحيص العمل الأدبي بشكلٍ متكاملٍ حال الانتهاء من كتابته؛ إذ يتمّ تقدير النصّ الأدبيّ تقديراً صحيحاً يكشِفُ مواطن الجودة والرداءة فيه، ويبيّن درجته وقيمته، ومن ثمّ الحكم عليه بمعايير مُعيّنة، وتصنيفه مع من يشابهه منزلة. فالنَّقْد يختلف بمعاييره وأحكامه باختلاف الفن الذي يُمارَس فيه النَّقْد؛ فالنَّقْد الذي يُوجَّه للأدباء والنُّقاد يختلف عن النَّقْد المُوجَّه للفقهاء، كما أنّ نَقْد الأصوليّين يختلف عن نَقْد المُحدِّثين؛ فلكلٍّ منهم أسلوبه وأحكامه، إلّا أنّ المشترك بينهم هو النَّظر في الأثر الأدبيّ وتحليله مضموناً وشكلاً، ثمّ الحكم عليه وتقويمه، والنَّقْد قد يكون في مجال الأدب، والسياسة، والفلسفة، وفي مختلف المجالات الأُخرى، ومن الجدير بالذّكر أنّ هناك مفردات مقاربة للنَّقْد، كالتقييم، والردود، والمناظرات، والمحاورات، والجدل، والمباحثة، إلّا أنّ لكلِّ مصطلحٍ ما يميِّزه عن غيره من حيث الأساليب، والأحكام، والغايات وقد قسَّم أهل العلم النَّقْد إلى نَقْد بَنَّاء(الايجابي )، وهو الذي يسعى الناقد فيه إلى تقويم الخطأ ويحاول إصلاحه بناءً على أُسُس علميّة، مبتعداً عن التعصُّب، وإصدار الأحكام المُسبَقة. ونَقْد هَدَّام (سلبي )، وهو الذي يكون فيه النَّقْد من أجل النَّيْل من الآخرين، وتشويه سمعتهم، والترصُّد لهم، بإظهار أخطائهم من غير حُجَّة ولا برهان

(الأصول الاخلاقية الاسلامية للنقد )

1 – فهم الكلام والاتقان بالموضوع

لابد للناقد فهم الكلام واتقان الموضوع المراد نقده قبل كل شى وان تكون ثقافة الناقد العامة فالمراد بها إلمامه ببعض العلوم والمعارف التي لا غنى عنها لباحث متعمق ودارس جاد مثل علم المنطق حتى يعرف المقدمات وما تؤدي إليه من نتائج، والقياس وطرقه وأن يعرف شيئا عن الجمال، ويعرف الكثير عن التاريخ العربي والإسلامي والعصر الحديث ويعرف مبادئ علم الاجتماع.

وقد أورد النقاد العرب لنا الكثير من جوانب معرفتهم بالنواحي الاجتماعية والنفسية حين تحدثوا عن دواعي الشعر والأوقات التي يسرع فيها أتيه، وينقاد عصيه، وعن أسباب لين شعر بعض الشعراء ووعورة شعر البعض الآخر، وأثر البداوة والحضارة في السهولة والصعوبة، وفي اللين والتوعر.

2– بداية العمل مع النفس

دور تهذيب النفس، أن نجلس مع أنفسنا ونحاسبها لماذا نقوم بالنقد؟ هل أقوم بالنقد تشفّياً، أو غيظاً، أو انتقاماً أو غضباً، أو رساليّة أو لله؟ هذا يحتاج إلى التأمّل وإصلاح الذات وإجراء عمليات الصيانة لها بشكلٍ دائم.

إذن، يجب أن نطهّر الدوافع ونهذّب أنفسنا، ونخرج من الذاتيّة إلى الرساليّة، ولكي نساعد أنفسنا يجب أن نقوم بممارسة النقد على أنفسنا دائماً، ويجب أن أسأل نفسي: لماذا أنتقد؟ هل لأجل أنني فعلاً أرى الحقّ في الموضوع، وأدافع عن الحقّ أو لأنّ مصالحي سوف تضيع؟ كما كان يقول السيد الشهيد محمد باقر الصدر، هل نحن فعلاً نواجه المدّ الأحمر الماركسي في العراق، لأنّنا نريد فعلاً أن ندافع عن الإسلام أو أنّنا نخاف ضياع مواقعنا؟

3- نبذ الحب والكراهية

ونعني به أن يتوخى الناقد في نقده وجه الحق، ويتجه لما يرى أنه الصواب، ويتحرى العدل في أحكامه، ويبتعد عن التأثر بالهوى، ويحاول قدر الطاقة أن يبرأ من الغرض فلا يجامل الأصدقاء والأنصار، ولا يتحامل على الأعداء والخصوم، وإنما يقضي بالعدل.(فعن الامام امير المؤمنين ع يقول عليه السلام): خذ الحكمة ممن أتاك بها، وانظر إلى ما قال، ولا تنظر إلى من قال)

وضمير الناقد، وتوخيه العدل، وابتعاده عن المؤثرات الشخصية أهم الأركان في النقد، وأهم الشروط في الناقد إذ بدونه لا تجدي المعرفة ولا تنفع التجربة، ولا يصح الحكم، ولا يعتدل الميزان.

4 – ضرورة الحلم والسيولة في النقد

 من الآداب التي يجب ان يتحلى بها الناقد هي الحلم والسيولة في النقد من خلال استخدم اللغة تعتبر اللغة النقديّة من الأزمات الشائعة، ففي رواية عن الامام الباقر ع ان اتاه رجل نصراني فقال له : (قال له النصراني: أنت بقر، قال: أنا باقر، قال: أنت ابن الطباخة قال: ذاك حرفتها، قال: أنت ابن السوداء الزنجيّة، قال: ان كنت صدقت غفر الله لها، وان كنت كذبت غفر الله لك، قال: فأسلم النصراني) وللأسف الشديد نحن بعيدون جداً في الكثير من الأوساط عن أخلاقيّة اللغة وآدابها، إنّنا نجد استخداماً هائلاً للعبارات التي تنمّ عن الاستهزاء بالآخر، والعنف في الخطاب معه، مثل: «إنّ فلاناً لم يشمّ من رائحة الاجتهاد شيئاً»، «لا يقول به متفقّه فضلاً عن فقيه»، «هذه رجعيّة وتخلّف»، «هذه خرافة وأسطورة»، «لا يفقهون شيئاً»، وغيرها الكثير من التعابير التي نجد لها حضوراً واضحاً في أدبيّاتنا النقديّة، فضلاً عن التعابير الهابطة غير الأخلاقيّة التي بدأت تنتشر واسعاً في الشبكة العنكبوتيّة ووسائل التواصل الاجتماعي.

إنّ علينا أن نستخدم لغةً هادئة في القضايا النقديّة، لغةً أخلاقيّة، لا لغة التشفّي والعقد النفسيّة، والمهمّ أيضاً أن ندرس أسباب عدم أخلاقيّة اللغة كي نحاول أن نتخطّاها وننطلق نحو لغة أفضل في العمليّات النقدية، 

كلمة أخيرة

إنَّ النقد ضرورة أساسيّة في أيّ مجتمع، وليست العلوم إلا حصيلة تراكم عمليّات نقديّة متعدّدة عبر التاريخ، فإذا أردنا أن نتقدّم فعلينا أن نفتح المجال، ونوفِّر البيئة الحاضنة للحركة النقديّة في الأوساط العلميّة وغيرها، ونقوم بترشيد هذه الحركة النقديّة، أخلاقيّاً، وتربويّاً ونفسيّاً، وكذلك على المستوى المنهجي والعلمي، أما التخلّي عن مهمّة الترشيد لصالح مهمّة التضييق على النقد، فهذا ربما يجرُّ علينا فيما بعد الكثيرَ من المشاكل.

والحمد لله رب العالمين

التصنيفات : فلسفية وفكرية