بعد أن أحكمت طالبان قبضتها .. أفغانستان الى اين؟

3 يناير، 2022
2292

سيظل الخامس عشر من أغسطس / آب 2021 محفورا في أذهان الأفغان، إذ طوت أفغانستان صفحة الحكومة برئاسة الرئيس أشرف غني، بعد أن أطاحت بها حركة طالبان التي سيطرت على زمام الأمور في هذا البلد الفقير الذي مزقته الحروب.

وسبق إحكامَ طالبان قبضتها على أفغانستان مرة أخرى إنسحابُ القوات الأمريكية وحلف شمال الأطلسي (الناتو) وسط آمال بقدرة الجيش الأفغاني في صد أي هجوم لطالبان بعدما أنفقت الدول الغربية مليارات الدولارات على تدريب عناصر الجيش الأفغاني.

بيد أن سقوط كابول في أيدي طالبان جاء دون أدنى مقاومة تُذكر من الجيش الأفغاني، لترفع الحركة علمها فوق القصر الرئاسي في العاصمة ويحتفل أنصارها بسقوط “الإمبراطورية”، فيما تعهد قادة الحركة ببدء حقبة من الاستقلال والاستقرار.

لكن بعد أربعة شهور، سعت طالبان بشكل متكرر إلى طلب المساعدة من الولايات المتحدة مع انهيار اقتصاد أفغانستان وأصبح  خطر المجاعة  يهدد الملايين من الأفغان.

وفي ذلك، حذرت منظمة اليونيسيف التابعة للأمم المتحدة في نوفمبر / تشرين الثاني من أن ارتفاع معدلات الفقر مع توقف إيصال المساعدات سيؤدي إلى “أزمة كبيرة” في أفغانستان.

وفي مقابلة مع DW، قالت رئيسة الاتصالات في اليونيسف في أفغانستان، سامانثا مور، إن ما يقرب من نصف سكان أفغانستان أي قرابة 23 مليون شخص باتوا في “حاجة إلى المساعدة، لذا فإن هذا العدد الكبير يعد استثنائيا ما يؤكد أن هناك أزمة سريعة التطور والتغير للجميع”.

وباعتبارها أحد داعمي طالبان، نظمت باكستان مؤخرا اجتماعا لدول منظمة التعاون الإسلامي، كان مخصصا للأزمة الإنسانية في أفغانستان فيما يعد أكبر مؤتمر بشأن أفغانستان منذ سيطرة الحركة على زمام الأمور في أغسطس / آب.

ورغم إشادة وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن بجهود باكستان في دعم أفغانستان، إلا أنه لم يفصح عن خطط بلاده لتحقيق الاستقرار في الاقتصاد الأفغاني.

زيادة معاناة الأفغان

وفي ضوء كل هذه الجهود والمناشدات، يبقى الوضع على الأرض في أفغانستان قاتما، إذ تدهورت الأوضاع الاقتصادية التي لم تكن في أحسن حال قبل سيطرة طالبان.

لكن مع إحكام طالبان قبضتها على أفغانستان، تفاقمت الأزمة أكثر ما دفع بعض الآباء إلى الإقدام على بيع أطفالهم كما كان الحال مع محمد إبراهيم الذي يعيش في كابول، إذ لم يجد أي خيار سوى بيع طفلته الجميلة التي لم تتجاوز عامها السابع لسداد الديون.

وفي مقابلة مع DW، قال “جاء شخص وقال لي إما أن أسدد له الدين أو أنه سيحرق منزلي ويحوله إلى رماد”، مضيفا أن هذا الرجل عرض عليه “التخلي عن ابنته” مقابل سداد ديونه. وقال إن هذا الرجل “كان غنيا. لم يكن لدي أي خيار سوى قبول العرض بالتخلي عن طفلتي مقابل سداد الدين البالغ 65 ألف أفغاني (عملة أفغانستان)” أي ما يعادل 620 دولار أو 700 يورو.

ولم تكن مأساة إبراهيم في بيع فلذة كبدة سوى لمحة عن الأزمة الإنسانية  في أفغانستان خاصة مع تهاوي قيمة العملة المحلية.

وفي ذلك، قال شيرجان أحمدزاي – الخبير في الشأن الأفغاني والمقيم في الولايات المتحدة – إن عام 2021 كان عاما سيئا بالنسبة للاقتصاد الأفغاني الذي اعتمد بشدة ولسنوات طويلة على المساعدات الخارجية وتواجد القوات الأجنبية في البلاد.

وفي مقابلة مع DW ، أضاف “العملة الأفغانية فقدت قيمتها فيما جلب تغيير النظام الحاكم في البلاد المزيد من البؤس إلى أفغانستان”.

وفي ظل هذا الوضع البائس، خرجت تحذيرات من خطورة خروج الأزمة في أفغانستان عن نطاق السيطرة إذ شددت مريم السادات – وهي عضوة سابقة في البرلمان الأفغاني – على أنه في حال استمرار الوضع الحالي، “سوف تزيد معاناة عامة الناس أكثر وأكثر”.

وأضافت “سوف ينكمش الاقتصاد أكثر وسيرتفع معدل الفقر ما لم يقدم المجتمع الدولي على مساعدة الشعب الأفغاني”.

تآكل حقوق الإنسان

ويبدو أن المجتمع الدولي لا يزال عاجزا عن حل إشكالية تتمثل في تقديم المساعدات إلى أفغانستان لكن دون أن يؤدي ذلك إلى إضفاء شرعية على نظام طالبان.

وقد شهد مطلع الشهر الجاري انفراجة إذ أعلن البنك الدولي أن الجهات الدولية المانحة وافقت على تحويل مبلغ 280 مليون دولار (247 مليار يورو) من صندوق ائتماني خاص بأفغانستان مجمدة أمواله إلى برنامج الغذاء العالمي ومنظمة اليونيسيف لتمويل جهود الأمم المتحدة في مجالات الغذاء والصحة في أفغانستان.

وكانت طالبان قد حثت المجتمع الدولي على الاعتراف بحكمها  والإفراج عن أصول أفغانستان  المجمدة في المصارف الأجنبية.

بيد أن الدول الغربية تريد من طالبان تحسين أوضاع حقوق الإنسان في أفغانستان والتعهد بحماية حقوق النساء والفتيات خاصة في ظل أوضاع مأساوية للمرأة الأفغانية وسط قرارات طالبان المناهضة لحقوق المرأة وكان أحدثها حظر ركوب غير المحجبات سيارات الأجرة.

وفي هذا الصدد، قالت شابنام صالحي- المفوضة السابقة في لجنة حقوق الإنسان المستقلة في أفغانستان -  إن النصف الأخير من عام 2021  ”كان مروعا بالنسبة للأفغان فيما يتعلق بحقوق الإنسان”.

وفي مقابلة مع DW ، أضافت “لقد فقد الأفغان، خاصة النساء، الكثير من الحقوق الأساسية. وخلال العام المقبل، سوف يزداد الوضع سوءا إذا استمرت الأوضاع على ما عليه الآن”.

المساعدات أولا

ورغم الضغوط الدولية، يبدو أن طالبان غير مستعدة لتغيير نمط إدارة شؤون البلاد، ما يثير تساؤلات حول إلى أي مدى سوف يستمر المجتمع الدولي في تجاهل معاناة الشعب الأفغاني؟

وفي سياق متصل، ذكر بعض الخبراء الأفغان أن معاناة الشعب الأفغاني ليست وليدة اللحظة، لكنها تفاقمت عقب سيطرة طالبان.

وفي ذلك، قال ذكرو الله زكي – الذي يحاضر في جامعة كابول -  إن أفغانستان “كانت تعاني حتى قبل وصول طالبان إلى السلطة في أغسطس/ آب. وسوف تستمر هذه المعاناة لعدة سنوات”.

بيد أن الخبراء يسلطون الضوء على مسؤولية الدول الغربية تجاه دعم الشعب الأفغاني مع المضي قدما في الضغط على طالبان. ففي مقابلة مع DW، أكدت النائبة البرلمانية الأفغانية السابقة شكرية باركزاي أن الدول التي تربطها علاقاتها جيدة مع طالبان ليست راضية وسعيدة بالوضع الحالي في أفغانستان.

لكنها شددت في الوقت نفسه على أنه يتعين على “المجتمع الدولي التعامل مع الأزمة الإنسانية في أفغانستان أولا، خاصة وأن الشعب الأفغاني بدأ في فقدان الثقة في المجتمع الدولي”.

شامل شمس ومسعود سيف الله / م ع

المصدر DW

التصنيفات : تحقيقات