المصالخة الوطنية!! / فالح حسون الدراجي

26 يوليو، 2015
187

 

 

 

 

قبل أيام كنت أنتظر مع زوجتي في صالة مطار بغداد الطائرة العراقية التي تقلنا الى دبي. وبينما كنت مشغولاً بقراءة رسائل البريد على ايميلي الالكتروني الخاص في جهاز الاي باد، قطع عليَّ صديق عزيز من (صُحبة ذلك الزمن الجميل) قراءتي، ملقياً عليَّ السلام بطريقته، ولهجته البغدادية الجميلة، وما أن سمعت صوته المميز، حتى نهضت مرحباً به، ومعانقاً بحب ومودة وشوق كبير، لاسيما وإننا لم نلتق منذ سنوات بعيدة. وبعد السلام والتحية والعناق، جلس صديقي الى جواري بإلحاح مني، فقد كانت رؤيته فرحة كبيرة، وفرصة رائعة، لأن التقي بهذا الصديق المناضل، والوطني الشجاع الذي جمعتني به سنوات الصبا والشباب والدراسة والحياة الأولى، ثم تعمَّقت بعد ذلك علاقتنا، وتوثقت بقيم ومبادئ الفكر التقدمي اليساري، لنصبح قريبين جداً من بعضنا، حتى صرنا مثل (الچاي والشكر)، كما يقول أصحابنا.. إذ ما أن يروا واحداً منا حتى يسألونه عن الثاني !!

لذلك بقي هذا الصديق حتى هذه اللحظة محل تقديري واعتزازي ومحبتي، مثلما بقي لصيقاً بذاكرة قلبي، فلا يبرح منها رغم فراق السنين الطويلة. ولكي تتضح الصورة جيداً أمام القارئ الكريم، أود أن أشير الى إن هذا الصديق كان صريحاً جداً طوال السنين التي عرفته بها، ولم أعرف عنه يوماً تراجعاً أو تهادناً عن قناعاته مهما كان الثمن، وقد تأكد لي ذلك بعد لقائي به في المطار، إذ وجدته كما كان صريحاً جريئاً جداً. وحين سألته عن حياته وعن عائلته وأحواله، وإقامته، أجابني بعتب شديد عن أسباب انقطاعي منه، وعدم اتصالي به، والسؤال عنه.. ولم تنفع معه كل تبريراتي، وشرحي للظروف، لأن الرجل كان (قافل) على عتبه، وزعله الودود !!

وبينما كنا نتبادل كلمات العتب، قال لي صديقي مفاجئاً: أريد ان أتحدث معك بصراحة يا فالح.. ولا تزعل مني رجاء، فهذه فرصة للحديث معك، وقد لا تتكرر مثلها بعد ذلك، فمن يعرف ما ستكون عليه أمورنا غداً، وقبل أن ينتظر جوابي .. قال:- وحتماً أنت تعرف كم أحبك، ويعلم الله كم دافعت، بل وقاتلت دفاعاً عنك في غيابك وحضورك، وأنا محق في دفاعي عنك، فأنا أعرف أنت عراقي مخلص، ورجل تقدمي نظيف، وصاحب ضمير أبيض لا يمكن أن تلوثه جميع الإغراءات والأطماع في الدنيا.. لقد قالوا ما قالوا عنك، ودسوا ما دسوا عليك، لكني متمسك بحقيقة واحدة، هي أن مثلك لا يخون، ولا يباع أو يشترى بتاتاً، كما إني أعرف أن لك أعداء وحاقدين وحاسدين، يؤذيهم نجاحك، ويقتلهم حب الناس لك فراحوا يفترون عليك، وعلى كل عراقي شجاع مثلك.. فأنا أفهم هذا الشيء، وأعرف أسباب اشتداد الهجمة الإعلامية الحاقدة عليك بين فترة وأخرى، لكن الشيء الذي لم أستطع فهمه حتى هذه اللحظة هو هذا التحيز الطائفي الأعمى الذي أراه وأقرأه وأسمعه فيك.. حتى بدأت أشك في نفسي أحياناً، وأستعيد قناعاتي وثوابتي بك.. وكثيراً ما أسأل روحي، وأنا أقرأ لك مقالة طائفية، أو تصريحاً متحيزاً ضد هذا المكون أو ذاك، وأقول: أيعقل أن يكون كاتب هذه المقالة الطائفية، هو فالح الذي كتب من قبل عشرات القصائد، والأغنيات الوجدانية الجميلة، وسطر أروع المقالات المضيئة الباهرة بحب الأكراد والمسيحيين والصابئة والأيزيديين والسنة وغيرهم. وهل من المعقول ان يكون صاحب هذه اللغة الدموية المتحجرة التي أراها اليوم في كتاباته، هو نفسه الذي كان يكتب بتلك اللغة الشفافة، والرومانسية العذبة..

فماذا جرى لهذا الرجل.. وماذا حصل لصديقي الجميل؟

حاولت أن أجيبه، لكن صديقي لم يعطني المجال للإجابة، فراح يكمل هجومه قائلاً:

ماذا دهاك يافالح؟ وكيف وصلت الى هذا المناخ الأسود؟ وأي ظروف ملعونة جعلتك -وأنت العراقي الجميل- طائفياً متحيزاً؟ فأين عراقيتك، وأمميتك، وإنسانيتك؟

فهل تتذكر مثلاً قصيدتك الرائعة التي ألقيتها في السويد قبل سنوات عن العالم العراقي الكبير عبد الجبار عبد الله، وهل كنت تعرف بأن غالبية الجمهور الكبير، الذي وقف يصفق لك طويلاً هو من أبناء الصابئة والمسيحيين والسنة، وأن عدد الحاضرين من الشيعة لم يكن يتجاوز العشرة أو العشرين فرداً..؟

وقبل أن أجيب على هذه الأسئلة الجارحة والمجروحة معاً، كان النداء الأخير؛ (على ركاب الطائرة العراقية المغادرة الى دبي…) يتردد بصوت عال في أرجاء الصالة، فاعتذرت لصديقي وودعته، ثم مضيت الى الطائرة.

وفي الطائرة، لم أستطع نسيان ما قاله صديقي قط، ولا أخفي عليكم فقد تأثرت جداً ببعض ما قاله، حتى إني رحت أعيد على نفسي ذات الأسئلة، فتوصلت بعدها الى أن أكتب مقالة أدعو فيها الى المصالحة الوطنية الحقيقية بين كل مكونات الشعب العراقي.. لذا كتبت أولاً عنوان المقال، والذي أسميته: (المصالحة الوطنية).. وقبل ان أبدأ بكتابة المقال، تلقيت على ايميلي الخاص رسالة من أحد (الطيبين) يقول فيها: (إسمع يا أبن المتعة، لنعل أبوك، لا أبو سبايكر لا أبو كل صفوي عجمي حقير مثلك.. والله العظيم داعش أشرف منكم يا كلاب، وسنذبحكم كما نذبح الخرفان..)!!

 

وحين أنتهيت من قراءة هذه الرسالة (اللطيفة)، لم أفعل شيئاً سوى إني وضعت نقطة فوق حرف الصاد في كلمة المصالحة، فأصبح العنوان (المصالخة الوطنية)!! والمضحك المبكي، ان زوجتي حين رأت ذلك ظنت أني أخطأت في كتابتها، فقالت: هاي الكلمة كتبتها خطأ يمكن!! فقلت لها: لا حبيبتي هاي الكلمة صح، ومليون صح!!

التصنيفات : اقلام حرة
استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والاعلان