المترجمون العراقيون وتشيخوف

20 يناير، 2022
1227

ا. د. ضياء نافع

كان تشيخوف يرتبط بالنسبة لنا – نحن القراء العرب في خمسينيات القرن العشرين – بكتاب هنا وكتاب هناك (منها طبعا كتاب شاكر خصباك المعروف عن تشيخوف، الذي اصدرته مجلة الثقافة الجديدة في بغداد عام 1954)، ثم بدار اليقظة السورية الشهيرة، وباسماء المترجمين فؤاد ايوب وشقيقه سهيل ايوب، حيث أصدرت دار النشر تلك جزئين من قصص تشيخوف المختارة، ثم بدأت الكتب العربية الاخرى لنتاجات تشيخوف بالصدور في بيروت والقاهرة ودمشق…الخ، الى ان  ظهرت في موسكو وبترجمة د. ابوبكر يوسف المؤلفات المختارة لتشيخوف باربعة اجزاء، وهكذا حلّ اسم المترجم المصري الكبير أبو بكر يوسف محل دار اليقظة السورية (واخواتها !) بالنسبة لتشيخوف باللغة العربية، واستمر الحال بهذه الصورة طوال القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، رغم رحيل المرحوم أبو بكر يوسف (الذي يسموه الان – مترجم تشيخوف)، ورغم اختفاء دار رادوغا السوفيتية للنشر مع الدولة السوفيتية نفسها.

 استمر تشيخوف طبعا بالانتشار عربيا، لأن تلك الترجمات مجتمعة لم تستطع ان تقدم للقارئ العربي كل نتاجات تشيخوف الواسعة، وبرزت اسماء مترجمين عرب في هذا المجال، ولا يمكن لنا بالطبع (في اطار مقالتنا هذه) حتى التوقف عند تلك الاسماء والنتاجات العديدة التي قدموها لتشيخوف، ولكننا نود في مقالتنا هذه ان نتوقف قليلا (وحسب عنوان مقالتنا) عند المساهمات الجديدة للمترجمين العراقيين بالذات في هذه العملية الابداعية الجميلة لاغناء المكتبة العربية بنتاجات تشيخوف في الفترة الاخيرة من القرن الحادي والعشرين (اي في مرحلة ما بعد ابوبكر يوسف ودار رادوغا السوفيتية ان صح التعبير)، وهي ظاهرة تستحق – من وجهة نظرنا – ان نتوقف عندها ونحددها ونقدمها للقراء العرب، وتستحق من الباحثين العرب ايضا ان يدرسوها بامعان وتفصيل، لانها خطوة جديدة ومهمة في مسيرة الادب الروسي بعالمنا العربي، خطوة تمتلك سماتها الفنية الخاصة بها، وتعكس اجتهادات مترجمين من ذوي التجربة والمعرفة في هذا المجال، وذلك لان تشيخوف هو أحد رموز الادب الروسي.

الاسم الاول، الذي نتوقف عنده هنا هو عبد الله حبه – الاسم الكبير في عالم الترجمة عن الروسية. لقد قدّم حبه كتابين جديدين لتشيخوف في الفترة الاخيرة، واصدرتهما دار المدى الرائدة في بغداد، الكتاب الاول هو –  قصص ومسرحيات لتشيخوف (وهي بشكل عام غير مترجمة الى العربية سابقا)، والكتاب الثاني  – جزيرة سخالين، وهو كتاب متميّز وفريد من نوعه في مسيرة تشيخوف الابداعية، اذ كان تشيخوف نفسه يعتبره (عمله العلمي)، والذي قدّمه حتى الى الكلية الطبية، وطلب – على اساسه – اعتباره دراسة علمية وبحثية، تؤهله كي يكون تدريسيّا للعمل في كلية الطب، اي انه كان يعتبر كتابه هذا (اطروحته)، الا ان الكلية رفضت ذلك في حينه، ولا يمكن الحديث عن ذلك تفصيلا في مقالتنا هذه (رغم اني تذكرت اطروحة علي الشوك الفنطازية في العراق)، الا اننا نستطيع ان نقول، ان كتاب (جزيرة سخالين) مهم جدا في مسيرة تشيخوف الابداعية، وان ترجمته الى العربية من قبل عبد الله حبه قد أكمل – واقعيا – صورة تشيخوف وقيمته واهميته امام القارئ العربي، وهو عمل رائد فعلا.

المترجم الثاني هنا هو المرحوم خيري الضامن، والتي خسرت حركة الترجمة العربية عن الروسية برحيلة واحدا من أعلامها الكبار. لقد تم الاعلان قبيل رحيل الضامن، انه أنجز ترجمة رسائل تشيخوف باكملها، وانه تردد بنشرها، بعد ان تم اصدار ترجمته لرسائل دستويفسكي في كتاب دون الاشارة الى اسمه، وهو الذي ترجمه عن الروسية وتم اصداره باسمه في حينه. ولا ادري اين الآن رسائل  تشيخوف، التي ترجمها المرحوم الضامن، وكم اتمنى ان يقوم ورثته بنشرها، لاهميتها اولا بالنسبة للقارئ العربي، ولأن مثل هذا الكتاب (في حالة صدوره) سيكون نهاية رائعة ومهيبة لسلسلة كتب المرحوم خيري الضامن، التي ترجمها طوال حياته، حول الادب الروسي من نصوص للادباء الروس او دراسات نقدية عنهم.

المترجم الثالث في هذه المقالة هو فالح الحمراني، الاسم المعروف في عالم الترجمة عن الروسية. لقد صدر في بغداد عام 2021  كتابا لتشيخوف بترجمة د. فالح الحمراني عنوانه – دراما في الصيّد، ويقع في 344 صفحة من القطع المتوسط. احتفظ الحمراني بالترجمة الحرفية لعنوان هذا الكتاب كما اراد تشيخوف نفسه، وهو اجتهاد للمترجم العراقي، الا ان المترجم المصري يوسف نبيل ارتأى ان يترجمه بشكل تفسيري، وهو – (جريمة في حفلة صيد)، ويمكن الان للباحثين العرب ان يدرسوا الترجمتين ويقارنوا بينهما، وفي هذا اغناء للادب الروسي في المكتبة العربية، واغناء لحركة الترجمة العربية طبعا.

نختتم مقالتنا هذه بالتوقف عند اسم عراقي جديد في مجال الترجمة عن الروسية هو – محمد خميس. لقد صدر لهذا المترجم الشاب في بغداد لحد الان عدة كتب بترجمته عن الروسية، ويؤسفني باني لم اطلع على اي كتاب منها، اذ انها لم تصل من بغداد الى (عاصمة الثلوج) حيث أقيم أنا منذ فترة، الا ان عناوين تلك الكتب مثيرة فعلا، وتشير بما لا يقبل الشك، الى ان هذا المترجم الشاب (خريج قسم اللغة الروسية بجامعة بغداد وماجستير في الادب الروسي من جامعة بطرسبورغ الروسية) يعرف كيف يختار – وبدقة – نماذج (ناطقة !) من الادب الروسي الحقيقي من بوشكين الى أندرييف، ومن بين هذه الكتب يوجد مصدر مهم جدا للمكتبة العربية حول تشيخوف عنوانه – انطون تشيخوف.. دفتر المذكرات واليوميات. ظهور مترجم شاب جديد وبهذا المستوى في بغداد يعني، اننا نستطيع ان نستخدم التعبير العربي الجميل بالنسبة لمقالتنا هذه عن المترجمين العراقيين وتشيخوف، ونقول، ان ختامها مسك. أليس كذلك؟

التصنيفات : ادبية وثقافية
استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والاعلان