من تنحرف بوصلته يخسر معاركه.. اليمن المثال الاخير

23 يناير، 2022
904

  رئيس الوزراء العراقي السابق عادل عبد المهدي

1- ستتغير الاسماء والتواريخ، لكن السيناريوهات والنتائج متشابهة.

2- خلال 1968-1979 جرت في العراق حملات عسكرية في كوردستان. اتفاقية 1975 مع شاه ايران. سجون واعدامات واسقاط جنسية وتهجير وهجرة جماعية. فقامت الثورة في ايران بتأثيراتها الاقليمية والدولية.

3- أُريد للعراق ان يكون رأس حربة. لم يستطع “البكر” تحمل المسؤولية، فتصدى لها “صدام”. فجعل ايران “عدواً تاريخياً”. فانحرفت بوصلته. واندلعت الحرب، وقدم الشعبان ملايين الضحايا، مع دمار البلدين. تلقى “صدام” دعم الجميع تقريباً، حتى عند استخدامه الكيمياوي. واحتفل بالنصر، عندما اعلن الامام الخميني “تجرع كأس السم”.

4- بعد عامين، اجتاح “صدام” الكويت، في انحراف جديد. ومنها تقدم نحو السعودية والامارات. ففرض “مجلس الامن” الحصار والعقوبات. وانقلب حلفاء الامس الى اعداء. واجتاحت القوات الامريكية وحلفائها العراق. وفرضت الاحتلال باسم الامم المتحدة، الحاضرة -غالباً- لتوفير الغطاء. ونشطت “القاعدة” وبقايا النظام. وقُتل مئات الاف العراقيين من الحروب الظالمة والارهابيين.

5- في 2014 سقطت الموصل، واعلن “البغدادي” دولة العراق والشام، التي وصلت مشارف بغداد واربيل. صدرت “الفتوى”، وهب الشعب كله، وتأسس الـ”ح..ش..د”، وتوحدت قوى البلاد، وتحررت الموصل وباقي المناطق. لم يستوعب البعض الدرس، ويلوح الان باعادة عقارب الساعة للوراء، ويجعل هدفه اعداء “د..اع..ش”. وسيكتشف يقيناً بان الخسارة مصيره، وستزداد مساحة وقدرة من يتمسك ببوصلته.

وفي سوريا انحازت دول كثيرة لدعم “النصرة” وحلفائها. فبهدف اسقاط النظام -رغم علاقاتهم الجيدة السابقة- عززت (الدول) دون قصد شرعيته. فصمدت سوريا وحلفائها امام الارهابيين، كما صمدت امام المخططات الاسرائيلية وحلفائها. وسوريا تنهض اليوم لتستعيد مكانتها، بينما تتشظى القوى التي عادتها.

6- في بداية السبعينات استقرت “منظمة التحرير” في لبنان بعد خروجها من الاردن. وبالتعاون مع الحركة الوطنية بقيادة “جنبلاط” الاب، اصبحت متنفذة خصوصاً شمال فلسطين. واصبح هم “اسرائيل” ابعادها. فاقامت شريطاً وجيشاً ودويلة “لبنان الحر”. فانحرفت اطراف لبنانية معتقدة انها ستحل بدعم “العدو التاريخي” مسألة الفلسطينيين. فاندلعت الحرب الاهلية. وحصل الاجتياح عام 1982. وجاءت الاساطيل الاجنبية، واخرجت منظمة التحرير الى تونس. وتوهموا -مؤقتاً- انهم حققوا مآربهم. واذا بالفراغ تسده قوى اكثر تجذراً وتنظيماً وقوة.

سألت مؤخراً سفيراً غربياً للبرهان على مصير سياسات البطش والطيش: لو عُرض على “اسرائيل” اليوم عودة المنظمة لجنوب لبنان كبديل لـ”حزب الله”، فماذا سيكون خيارها؟ فاجاب، بالطبع سترحب بذلك.

ان السياسات الطائشة لـ”الاعداء التاريخيين” وبطشهم، وانحرافات من يناصرهم، واستخدام الخداع وغسل العقول عبر وسائلهم المتمكنة، سترتد على اصحابها. وستولد الفراغات مما يوسع مساحات الارض والجمهور والقوة. فالضربة التي تعبىء قواك وترتد على اصحابها، تقويك.

7- وقبل ساعات هاجمت “د..اع..ش” في العظيم/ديالى حيث استشهد (11) عسكرياً. خسارة عظيمة. وسواء اكان الهجوم للطبيعة الارهابية للتنظيم، ام هو بتشجيع طرف ثالث، لكنه كمحصلة، يحسم نقاشات بيزنطية في تنظيم خططنا وتوحيد صفوفنا وتعبئة قوانا، كل قوانا.

8- وتستمر المآسي في اليمن العزيز. فما ان اندلعت “الانتفاضات العربية”، الا وتقدمت قوى وتراجعت اخرى. وهنا ايضاً تم حرف البوصلة. واغرقت الساحة بالحملات الاعلامية والتدخلات الاجنبية وقوى الارهاب. فاستمرت المعارك، بل وتتسع، ويفُرض الحصار. ويقتل الاطفال والشيوخ والنساء. اما النتيجة ورغم كل المآسي، فستتسع مساحات وقدرات من يحترم بوصلته، وسيخسر من يخونها.

9- الخطاب لانفسنا ولاخوان الدين والوطن، ان لا تعمينا اليوميات والتفاصيل. مع الاعتراف بان لدينا جميعاً اخطاؤنا، وبعضها كبير وفادح. واغلبنا لا يسمع لمطالب وحقوق الاخر. ولكن هذه لا تعادل حرف البوصلة وجعل اخوان الوطن والدين “اعداء تاريخيين”، والاخيرين “اخوان تاريخيين”. فلا المقاومة الفلسطينية وحزب الله وانصار الله وفصائل وحركات المعارضة للظلم في بلدانهم ارهابيين. ولا ايران وتركيا والسعودية وقطر والامارات والبحرين وبقية بلداننا “اعداء تاريخيين”. هناك مظالم كثيرة ومعارك وخسائر فادحة في العباد والبلاد. وبين دولنا وشعوبنا خلافات، وبعضها عميقة جداً ومعقدةٍ، ويجب حلها. فان كنا فعلاً اخوان في الدين والوطن، فستكون لنا مشتركات تسمح باتفاقات، مقبولة ومستدامة. والا سيستمر المشهد، وتزداد الفوضى والتضحيات. وستتسع مساحات وقدرات من تصح بوصلته، وسيخسر من ينحرف عنها.

التصنيفات : اقلام حرة
استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والاعلان