هل تقود أزمة الخبز إلى “ربيع عربي” جديد؟

19 مارس، 2022
1264

تشهد أسعار الخبز في الشرق الأوسط ارتفاعا سريعا، وذلك نتيجة المخاوف بشأن إمدادات القمح من أوكرانيا وروسيا. وكانت مثل هذه الزيادات في الأسعار قد أدت في الماضي إلى احتجاجات عنيفة واضطرابات سياسية.

الاحتجاجات بدأت بالفعل، حيث تجمع مئات المتظاهرين الأسبوع الماضي في جنوب العراق في وسط مدينة الناصرية احتجاجا على ارتفاع أسعار الخبز وزيت الطهي، إضافة إلى سلع أخرى. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، ارتفعت أسعار المنتجات المستوردة من هناك في العراق بنسبة تصل إلى 50٪.

وخلال هذا الأسبوع نزل إلى الشوارع آلاف السودانيين للاحتجاج على الحكم العسكري المستمر، لكن أيضا على ارتفاع سعر الخبز بنحو 50٪.

وجاءت الزيادات في كلا البلدين نتيجة الغزو الروسي لأوكرانيا، التي تعد قوة زراعية وأحد أهم منتجي القمح في العالم، فضلاً عن كونها أكبر مصدر لزيوت البذور. ويذهب حوالي نصف القمح الأوكراني إلى الشرق الأوسط. كما تعد روسيا، التي غزت جارتها، أكبر مصدر للقمح في العالم.

ويقول محللو السوق إن الإمدادات من كلا البلدين في خطر بسبب الحرب وأن عدم الاستقرار يتسبب في ارتفاع أسعار القمح بشكل عام. وقد ارتفعت الأسعار بالفعل خلال الشهر الماضي فقط بنسبة 50 ٪ لتقترب من أعلى مستوى لها خلال 14 عامًا. وقد بدأت هذه الزيادات الآن في التأثير بشكل كبير على دول الشرق الأوسط.

ويوضح البروفيسور مايكل تانتشوم، الزميل البارز بالمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية والمتخصص في الاقتصاد السياسي للشرق الأوسط وإفريقيا، أن “في هذه البلدان، يعتبر الخبز الميسور التكلفة للجماهير العاملة عقدًا اجتماعيًا”. وتدعم العديد من دول الشرق الأوسط الخبز للأسر ذات الدخل المنخفض.

في الماضي، كان ارتفاع أسعار الخبز محركا للتغيير السياسي في المنطقة.

فمصر، على سبيل المثال، لديها تاريخ من “مظاهرات الخبز”. ففي عام 1977، وبعد الإصلاحات الاقتصادية التي شهدت خفض الدعم الحكومي وارتفاع أسعار السلع الغذائية، كانت هناك مظاهرات عنيفة في جميع أنحاء البلاد أسفرت عن 70 حالة وفاة على الأقل.

وفي عام 2011، أثناء ثورات “الربيع العربي”، كان أحد الشعارات الشعبية في المظاهرات التي أطاحت بنظام الرئيس المصري محمد حسني مبارك: “عيش، حرية، عدالة اجتماعية”.

وقد وجد الباحثون الذين درسوا أسباب احتجاجات الربيع العربي في عام 2011، والتي غيرت المشهد السياسي في المنطقة، أن ارتفاع أسعار المواد الغذائية وانعدام الأمن الغذائي، والذي يرجع إلى تغير المناخ غالبًا، قد لعب دورًا في تحريك الشارع إلى جانب شعور الشعوب بالإحباط من قادتهم المستبدين.

واستمرت الظاهرة: ففي عام 2019، أُطيح بالرئيس السوداني عمر البشير من السلطة بسبب الاحتجاجات التي بدأت عندما تضاعفت أسعار الخبز ثلاث مرات.

وكتب محللون في معهد الشرق الأوسط ومقره واشنطن في موجز فبراير/ شباط: “ما بين ارتفاع أسعار الطاقة وارتفاع أسعار الغذاء، يمكن أن تؤدي أزمة أوكرانيا إلى تجدد الاحتجاجات وعدم الاستقرار في العديد من دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا”.

فريد بلحاج، نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، أشار إلى مخاوف منظمته الخاصة بشأن سوريا ولبنان واليمن، وهي دول تعاني حكوماتها واقتصاداتها من الضعف بالفعل وتعتمد أيضًا بشكل كبير على استيراد القمح من الخارج.

ويبدو أن زيادة أسعار الخبز والسلع الاستهلاكية الأخرى، فضلاً عن أنواع الوقود المهمة مثل الديزل، بات أمرا لا مفر منه في الشرق الأوسط. لكن هل ستحدث هذه الارتفاعات تغييرًا سياسيًا جذريًا مرة أخرى؟

وأكد جون راين، كبير مستشاري العناية الجيوسياسية بالمعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية في لندن، أن “الناس سيكونون تحت ضغط اقتصادي حقيقي. لكنني لست مقتنعًا بأن ذلك سيؤدي إلى نوع من الصدمة الهائلة التي رأيناها في المرة الماضية خلال “الربيع العربي”.

وتابع راين حديثه قائلا إن السبب الرئيسي هو أن معظم دول المنطقة “في وضع سياسي مختلف تماما الآن”. فحكومات الشرق الأوسط إما أن تكون مسيطرة بشكل أكبر وأحزاب المعارضة لديها محظورة، أو أن هناك نظامًا سياسيًا يتمتع بقدر أكبر من المرونة، نتيجة السنوات العشر الماضية.”

لذلك فبرغم من أنه قد تكون هناك مظاهرات ونزاعات بفعل ضغوط الأسعار، إلا أن راين يعتقد أن هذه المظاهرات من المرجح أن تسرع العمليات السياسية الجارية بالفعل أكثر من بدء عمليات جديدة تمامًا.

ويواصل تانتشوم، وهو أيضًا زميل غير مقيم في معهد الشرق الأوسط، إن ما سيحدث بعد ذلك سيعتمد على ما إذا كان هناك حكم جيد في بلد ما أم لا.

وعندما يتعلق الأمر بارتفاع أسعار السلع الغذائية، يكون هناك بالفعل ما يصفه تانتشوم بأنه “عاصفة مكتملة” المعالم تلوح في الأفق. وكان سببها انقطاع الإمدادات الناجم عن جائحة كورونا وما نتج عنه من سوء إدارة عالمي للأزمة. كما أن تغير المناخ تسبب أيضًا في أن الشرق الأوسط أضحى غير قادر على إنتاج احتياجاته من الحبوب الزراعية.

وأوضح قائلاً: “بالعودة إلى يونيو/ حزيران 2021، وصل مستوى التضخم في المنتجات الغذائية إلى نفس المستوى بالضبط الذي كان عليه في (مرحلة) ما قبل الربيع العربي مباشرة”. “تلك العاصفة المتكاملة تحولت إلى تسونامي عندما غزت روسيا أوكرانيا”.

وعما إذا كان هذا سيصبح أمرا خطيرًا وينتج عنه احتجاجات أو حتى تغيير سياسي عنيف، أشار تانتشوم إلى أن الأمر سوف يعتمد على مستويات “الحكم الفعال وإذا ما كان لدى الناس مستويات عالية من السخط على دولتهم”.

وأوضح أن “الحكم الفعال” يشمل أشياء مثل حجم تخزين الحبوب في بلد ما. فبسبب انفجار ميناء بيروت عام 2020، دُمر مخزون الحبوب الأساسي في لبنان، ولم يكن لدى البلاد سوى إمدادات لمدة شهر من القمح. وعلى الجانب الآخر فإن مصر لديها (الآن) حوالي أربعة أشهر من احتياطي القمح.

وقال تانتشوم إن الأمر سيعتمد أيضًا على نوع تأثير الهزة الذي سيحدث. فما يحدث في دولة شرق أوسطية غالبًا ما يؤثر على جيرانها. وأضاف أن شمال إفريقيا ومنطقة الساحل سيكونان أيضًا عرضة للخطر. وخلص إلى أنه قد يكون هناك بعض الاضطرابات لكنها لن تكون هي نفسها التي شهدناها خلال الربيع العربي.

ويواصل تانتشوم حديثه قائلا: “أعتقد أن الشيء الأساسي هو ألا تكون متفائلاً أو متشائمًا بشأن ما سيحدث بعد ذلك، بل أن تكون متيقظًا وأن تتخذ إجراءات فعالة”.

ويعتقد الخبير السياسي أن هذا يمكن أن يكون أيضًا فرصة لمنتجي الحبوب الأوروبيين، مثل ألمانيا، لممارسة القوة الناعمة من خلال تقديم صفقات أفضل لدول الشرق الأوسط على منتجاتهم من الحبوب وتقديم المزيد من المساعدة في تحديث الأساليب الزراعية والتعامل مع التغير المناخي. وهذا من شأنه أن يساعد في تعزيز العلاقات الدبلوماسية بين الجانبين.

واختتم تانتشوم حديثه قائلاً: “من خلال اتخاذ إجراءات فعالة، يمكننا تحويل احتمالية وقوع كارثة إلى فرصة لتعاون جديد مربح للجانبين”.

dw

التصنيفات : تقارير
استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والاعلان